من تحليل هذه الظاهرة في العصور الأولى حينما لم يكن المسلمون حضارةً بعدُ ، فنصّ الكتابة أقلّ شأناً من نصّ الحفظ ، وسبب ذلك هو بُنية التفكير العربية ، فالعرب قبل الإسلام كانوا أمةً أميةً لا تعرف الكتابة ، ولم يكن يتداول في حياتها شيء اسمه الكتابة وسيلةً لحفظ النصوص المتوارثة ، لا سيما مع احتمال النص المكتوب عندهم لوجوه ؛ حيث لا تنقيط ولا تشكيل ، ولهذا اشتهرت قوّة الحفظ بين العرب ، وقيل فيها الكثير .
ومعنى ذلك أنه لابدّ أن نفهم مسألة التدوين ضمن هذا السياق في طبيعة الإنسان العربي وتعاطيه مع نقل التاريخ ، ولهذا وجدنا أن العرب لما اختلطوا بالحضارات الأخرى كالفرس والروم و . . عرفوا أساليب جديدة وبدؤوا بالتدوين منذ القرن الثاني الهجري ، إلى حدّ أنّ دواوين وجداول ومرتبات الجند وكلّ المعاملات الرسمية الراجعة لدولة المسلمين كانت تكتب - كما قيل « 1 » - بالفارسية في العراق ، والرومية في الشام حتى عهد عبد الملك بن مروان ( 86 ه - ) .
وليست الكتابة وحدها هنا ، بل لم يعرف العرب أساليب التعليم والتدريس ، وحلقات الدرس ، إنما ظهرت أواخر العهد الأموي وبدايات العصر العباسي ، وإلا فإنّ الأجيال العلمية عند المسلمين الأوائل كانت تظهر بشكل عفوي ، فلاحظ مثلًا ظاهرة التابعين ، فهم لم يتسلّموا العلم من الجيل اللاحق وفق نظام التعليم والتعلّم الذي عرفه العصر العباسي ، وإنما من بيوت الصحابة وبطريقٍ عفوي ، ولهذا وجدنا أغلب التابعين من الموالي غير العرب ، حيث كانوا يعيشون عبيداً وغلماناً في بيوت الصحابة ، فانتقل إليهم العلم بطريقٍ عفوي ، لا ضمن نظام محدّد .
ومعنى ذلك أنّ عدم الاهتمام بموضوع التدوين كان جرياً على الطريقة الرائجة عند العرب في التعامل مع موروثهم ، لا موقفاً من النص الذي لم يدّون .
وهذه الملاحظة تجيب عن جملة تساؤلات ، لكنها لا تجيب عن سبب المنع عن
هامش
( 1 ) انظر : ابن قرناس ، سنّة الأوّلين : 534 .