الأكيدة لصحّة النصوص والكتب والمصنّفات التي تمّ تناقلها بنظام الإجازة ، حيث لا يوجد في الطباعة نظام مشابه لأوضاع عصرنا وقوانينه ، وليس هذا في الوسط الشيعي فحسب وفق ما يعرف بنظام الإجازات الذي عملوا به منذ القرن الثاني الهجري ، بل هو سارٍ ومتعارف في الأوساط السنية أيضاً ، فهذه أمّهات المصادر السنية القديمة كالموطأ والأم لمالك والشافعي لم تصلنا إلا عبر الرواة ، ولولا عدالتهم وميزاتهم الشخصية لما أمكن التثبّت من أمرها إطلاقاً .
بل يمكن القول : إنّ الحفظ والتناقل الشفاهي أضبط من الكتابة والتدوين ؛ لاحتمال التضحيف في الأخيرة ، ولهذا وجدنا أنّ علماء أصول الفقه والدراية توقف بعضهم في حجية المكاتبات ؛ لعدم حصول الوثوق بها ، واحتمال الدسّ والتزوير فيها ، بل ذكر الآمدي أنّ من أسباب ترجيح روايةٍ على أخرى كونها مسموعةً في مقابل المكتوبة ، معلّلًا ذلك بُبعد السماع عن تطرّق التصحيف والغلط « 1 » .
ومعنى ذلك كلّه أن مسألة التدوين لا ينبغي أن ينظر إليها فيصلًا لحسم موضوع السنّة ، بل التحديث والتدوين واحدٌ في هذا المجال ، فنهيهم عن التدوين أو إعراضهم لا يمثل سوى نهي عن إحدى آليات حفظ السنّة لأسباب عديدة ، لا إعراضاً عن السنّة أصلًا ، لعدم حجيتها بنظر الجيل المتشرّعي الأوّل .
وهذه الملاحظة جيدة حينما نضعها ضمن سياق أشمل لا لوحدها ؛ وذلك :
أولًا : لقد أدّى تدوين القرآن إلى تواتره ، أفلم يكن من الممكن تدوين السنّة على الشاكلة عينها ؟ ! إننا لا نقصد بالتدوين محض التدوين ، بل كان بإمكانهم التدوين على شاكلة ضبط كتابٍ جامع يغدو مرجعاً للمسلمين كالكتاب الكريم ، ومثل هذه التجربة موجودة بين أيديهم ، فلماذا لم يقوموا بها ؟ ! ثم هذه كتب الحديث في القرون : الثاني والثالث والرابع الهجرية دوّنت ، ثم تمّ تناقلها بطرق قطعيّة ، وتمّ تدارسها واستنساخها
هامش
( 1 ) الآمدي ، الإحكام 4 : 469 .