بشكل موسّع ، حتى صارت نسبتها إلى أصحابها واضحة وضوح الشمس وجلاء الأمس ، أفلا يمكن أن يقوم المسلمون بالعملية نفسها في حقّ السنّة النبوية ، فيكتبونها ويتدارسونها ويحفظونها وعددهم عند وفاة النبي بلغ عشرات الآلاف كما يقال ؟ !
ثانياً : حتى لو تنازلنا عن اليقين ، فإن التدوين أكثر دقةً وانضباطاً ، لا من حيث الصدق والكذب ، بل من حيث ضبط الراوي ودقته في النقل ، فلا يمكن مقارنة النقل الشفاهي بالتدوين الكتابي في هذا المجال ، وربما يشهد لذلك انتشار ظاهرة التدوين في القرن الثاني ، إذ ليس لانتشارها معنى إلا حُسن التدوين من حيث الدقة والضبط وعدم النسيان و . . فهذه الملاحظة لوحدها لا تكفي ، لكن لا ينبغي طرحها بالكليّة وسيأتي .
ثالثاً : إنّ الحديث عن ضعف حجية المكاتبات في مقابل النصوص الشفاهية فيه خلط بين المدوّن وبين من وصل إليه التدوين ، فهذه المناقشات تعود إلى الفترات اللاحقة من الزمن الإسلامي ، أي أنها تقرأ المكاتبة في عصر النقد العلمي ومن زاوية من وصل إليه النص المكتوب ، فيما نتحدّث حالياً عن المدوّن في عصر عدم وجود سجالات تشكيكية من هذا النوع ، وهو عصر الصحابة ، أي أننا نحلّل وعي مسلمي تلك الحقبة ، فهل كانت لديهم تحليلات الآمدي وهمومه في تعارض الحديث ، وهل كانوا يرون النص المدوّن أقلّ وثوقاً من النص الشفاهي ؛ إذاً لماذا دوّنوا القرآن الكريم واهتمّوا بتدوينه ولم يتركوه شفاهياً حيث إنّ الشفاهية أفضل وأضبط ؟ ! فهل قدّموا السنّة على الكتاب في الاهتمام والرعاية والحفظ ؟ !
بهذا يظهر أنّ هذا المقدار من النقد لا يكفي - وإن كنّا نعتقد بأن التناقل الشفاهي يفيد اليقين كثيراً في مثل تلك العصور الأولى كما بحثناه في كتابنا « نظرية السنّة في الفكر الإمامي الشيعي » - بل يحتاج الموضوع إلى مزيد من التطوير .
2 - العرب والثقافة الشفوية
الملاحظة الثانية هنا أهمّ من الأولى ، وحصيلتها أنّه لابدّ لكي نفهم موضوع الكتابة