تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
ولم نجده مفيداً لليقين . رابعاً : لقد وجدنا تحليلات كثيرة لهذا النهي أو الإعراض النبوي والصحابي عن التدوين ، إلا أنّ ما يلفت النظر أنّ هذه التحليلات كلّها ترجع - تاريخياً - إلى القرن الهجري الثاني ، وأنّ الصحابة الذين منعوا التدوين لم تصدر منهم مثل هذه التبريرات ، فمسألة خوف الاختلاط بالقرآن ، بحيث يمتزج نصّ القرآن بنصّ السنّة ، لم نسمعها عن أحد من الصحابة المانعين لكتابة السنّة بمن فيهم عمر بن الخطاب ، وهكذا التحليل بأنّ العرب أمّة شفاهية لا تعرف الكتابة تحليلٌ جاءنا منذ القرن الثاني فما بعد ، ولم يؤثر عن أحد من زعماء الحملة المناهضة للتدوين في القرن الهجري الأوّل ، ومعنى ذلك أنّ نسبة هذه التبريرات إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة المعارضين للتدوين مجرّد افتراض ، وإلا فالشيء الثابت تاريخياً أنهم ما اهتمّوا بالتدوين بل نهوا عنه ، بل ذكرت بعض المأثورات التاريخية إحراق مثل أبي بكر وعمر لبعض الصحف التي دوّنت فيها الأحاديث . خامساً : لم يقتصر الأمر على التدوين ، بل تعدّاه إلى التحديث أيضاً ، ففي شواهد التاريخ ما يؤكّد أنّ أمثال عمر بن الخطاب كان ينهى عن التحديث عن لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان يتوعّد على ذلك بالسجن والضرب ، نعم ، كان عمر يشرط الإتيان بشاهد كما سيأتي ، إلا أنّ هذا يساوي عدم التحديث ، إذ من أين يؤتى بشاهد ؟ ! لا سيما لأولئك الصحابة الذين كانوا يرسلون إلى البلدان البعيدة ، وكان يحذّرهم عمر من إشغال الناس بالحديث ، فمن أين يأتون بشاهد وهم في تلك الديار ؟ ! مما يدلّ على أنّ مثل هذه الصيغة تضارع - عملياً - منع التحديث من رأس . سادساً : إنّ الظاهر من سيرة الصحابة أنّهم لم يعارضوا عمر بن الخطاب في سياسته إزاء تدوين الحديث ، بل لم نجد موقفاً معارضاً حتى للإمام علي عليه السلام وأهل بيته ، والشاهد الأوضح على هذا الأمر أنه عليه السلام لم يدوّن الحديث أو يأمر به في عصر خلافته التي دامت أكثر من خمس سنوات ، وهذا شاهد معزّز على أنّ الصحابة وأهل البيت لم يكونوا ممانعين للخطوة ، ولم نشهد منهم تنديداً بها .
حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 267 | حيدر حب الله