قرآنياً في الموحى إليه دون الموحى به .
ثانياً : إنّ الحديث عن حفظ السنّة حديثٌ غير واقعي ، فلا يشك أحدٌ في عظمة الجهود التي بذلها العلماء المسلمون في حفظ الحديث ، إلا أنّ هذا لا يعني أنهم توصّلوا إلى تمام السنّة النبوية ، فضلًا عن سنّة المعصومين الأربعة عشر على المستوى الإمامي ، فافتراض وجود السنّة في مجموع مصادر الحديث ، كما ذكره الإمام الشافعي « 1 » ، افتراض محض لا دليل يثبته سوى الوثوق بالعلماء ، وهو وثوق - مع تماميّته - لا يثبت أن تمام السنّة موجود اليوم .
إنّ الحديث عن اشتمال مجموع مصادر الحديث لما قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما ذكره الشافعي حديث يخالف الواقع وحساباته ، فهل تحدّث النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مجموع حياته ، لا أقلّ في 23 سنة الأخيرة بهذا المقدار من الكلام ؟ قس أنت ذلك على نفسك ، هل يتكلّم إنسان طيلة ثلاثة وعشرين عاماً بهذا القدر من النصوص الموجودة التي لو جمعت صحيحها مع ضعيفها وحذفت الأسانيد مع المكرّرات والشروحات والتعليقات لا تبلغ شيئاً يُذكر ، فضلًا عن تطبيق هذا الكلام على أئمة أهل البيت عليهم السلام في المذهب الزيدي أو الإسماعيلي أو الإمامي ، فهذا الكلام يجانب الواقع ، ولا يمكن الأخذ به ؛ فكيف وهل يعقل أن تمام ما قاله النبي أو فعله موجود في هذا المقدار القليل من الأوراق ؟ ! وهل يعقل أنّ كل السنّة موجود في هذه الكتب ؟ ! بل وما الدليل على ذلك أساساً ؟
ثالثاً : لو سلّمنا أنّ مجموع السنّة الواقعيّة موجود بين أيدينا في كتب الحديث ، لكن قد اختلط الصحيح بالباطل ؛ وهذا لوحده كافٍ في حصول عدم الحفظ ، إذ ما هو ملاك الحفظ إلا وضوح المصدر الديني في ذاته ، فلو حصل في القرآن تحريف بالزيادة يصدق الحفظ عند الشافعي ؟ ! فلا يراد بالحفظ الحفظُ التكويني المؤدي لبقاء نصوص السنّة ، بل الحفظ الذي يجعل نصّ السنّة ماثلًا أمام المسلمين ، وإلا فالحفظ التكويني مع خفائه
هامش
( 1 ) الشافعي ، الرسالة : 49 - 50 ؛ وله أيضاً : أحكام القرآن 1 : 23 .