النحو الثامن : السنّة المخارجة للدين ، وهي كلّ قول أو فعل صدرا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا علاقة لهما بالدين ، بل إما يرجعان إلى أمرٍ طبيعي أو شخصي أو ما شابه ذلك ، وإن دلّت على الرخصة في نهاية المطاف ، فإنّ الرخص لا يلزم بيانها في الكتاب كما ألمحنا ، ومنه ما صدر لشؤونٍ بحت دنيوية كالطب ، وعلومٍ أخرى ، وهذا النوع من السنّة لا يضرّ أيضاً ببيانية الدين ؛ لعدم ارتباطه به كما هو واضح ، وسيأتي ما يتصل بهذا النوع من السنّة عند الحديث عن اجتهاد النبي تارةً ، وعن حجيّة الفعل النبوي أخرى .
النحو التاسع : السنّة المؤسّسة ، وهي التي تؤسّس حكماً لا وجود له في القرآن أصلًا ، بحيث يكون حكماً إلهياً ثابتاً ، كالرجم ، ومن الواضح أنّ هذا النوع من السنّة يضرّ بالتأكيد - مبدئياً - ببيانية القرآن الكريم .
وعليه ، فالسنّة التقريرية في الموارد الخاصّة التي لا مرجع قرآني لها ، والسنّة المفصّلة ، ونوع من السنّة المستثنية ، وتمام السنّة المؤسّسة - وإن أمكن إدراج الجميع بمعنى من المعاني في السنّة المؤسّسة - تضرّ ببيانية الكتاب ، دون غيرها .
ولكي نحلّ المعضل لا يتسنّى سوى اتخاذ موقف استقرائي من حجم حضور هذه الأنواع من السنّة ، فإذا تبنّى الفقيه والمتكلّم و . . أنّ حجم حضور هذه الأنواع من السنّة يساوي مقداراً كبيراً من مجموع الدين ، نسبته إلى الكلّ نسبة كبيرة معتدّ بها تعقّد الأمر وأشكل ، لا سيما مع كون معطيات هذه السنّة في غاية الأهميّة وليست شؤوناً فرعية عابرة ، وإلا لو كانت النسبة أقلّ من ذلك بحيث يكون الأعم الأغلب راجعاً إلى النص القرآني ، لم يضرّ ذلك ببيانية الكتاب ، وفقاً لما أشرنا إليه في النقطة السابقة .
ومن وجهة نظرنا ، وفيما نراه من استقرائنا لنصوص السنّة الصحيحة ، أنه إذا أردنا استبعاد السنّة المفسّرة والمطبقة والإجرائية والمستدلّة والمخارجة ، وأكثر حالات السنّة التقريرية ، وأبقينا على السنّة المؤسّسة والتفصيلية وبعض أنواع المستثنية والتقريرية ، فإنّ ما بأيدينا من نصوص لا يؤكّد وجود حجم كبير للسنّة الضارّة بالبيانية الشمولية للقرآن الكريم ، بل يصحّ ذلك وفقاً لما أشرنا إليه في النقطة السابقة عند شرح الكليّة .
حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 253
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢٥٣