وإذا أردنا استبعاد وجهة النظر الاستقرائية هذه ، وأردنا صياغة الموضوع صياغةً نظرية ، كان لابدّ من القول بأنه - وطبقاً للجمع بين نصّ آية التبيان وواقع ما بأيدينا من نصوص - لابدّ من أن يصل حجم السنّة الواقعية حداً ، لا يضرّ بالقانون الذي بيّناه ، وعلى الفقيه هنا أن يدرس تعامله مع السنّة المحكية ليجعلها منطبقةً على السنّة الواقعية التي لا تضرّ ببيانية القرآن العزيز .
ومن هذا كلّه ، نستكشف أن آية بيانية القرآن لا تسقط حجية السنّة ، وأنها لو أسقطت فهي تسقط خصوص السنن المؤسِّسة لا سائر السنن النبوية ، وهي كثيرة بالتقسيم الذي ذكرناه ، وهذه نتيجة هامة في مورد بحثنا .
6 - دعوى التخصيص الكتابي لشمولية البيان القرآني
وفي مقابل مجمل ما أسلفناه ، قد يُقال : بأنكم تفرضون مثل آية التبيان وكأنه لا معارض لها داخل النص القرآنيّ نفسه ، فقد تقدّم أنّ أدلّة حجية السنّة موجودة في القرآن الكريم ، فلماذا لا تكون تلك الأدلّة قرينةً على عدم الشمولية المزعومة في مثل آية التبيان ؟ !
وهذا الكلام دقيق من الناحية المنهجية ، إلا أنه لو طبّقناه ، كانت آية التبيان هي القرينة ، ذلك أنّ مهم أدلّة حجية السنّة كان مثل :
( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا . .
) ومثل آيات الإطاعة ، وآية التبيان مقدّمة عليهما ؛ لأنهما لا يدلان على حجم السنّة المستقلّة عن النص ، فيشبع حيثيتهما أنواع السنّة الأخرى غير الضارّة ببيانية القرآن ، على خلاف آية التبيان فإنه لا يضرّها تقرير مبدأ حجية السنّة ؛ لأن مفهوم حجية السنّة لا يساوق مفهوم تأسيسها لأحكام دينية ، فالسنّة الإجرائية والمطبّقة والمفسّرة والمستدلّة حجّة ملزمة ومعصومة ومطابقة للواقع ، لكنّ حجيتها لا تساوق التأسيس في عرض الكتاب .
وبعبارة جامعة : مفهوم الحجية لا يساوق مفهوم التأسيس ، فأدلّة الحجية تشبعها