موجود في القرآن الكريم ؟ وكيف ؟
قد يقال : إنّنا نقول بذلك لا لأنّ لدينا دليلًا تفصيلياً موردياً عليه ، وإنّما لأنّ القرآن قد قاله ، فحيث حكم القرآن نفسه بأنّه بيان لكل شيء ولم نعثر على تفاصيل هذه الأشياء في القرآن الكريم ، فلا محالة - وتصديقاً لكتاب الله تبارك وتعالى - نلتزم بأنّ هذه الأشياء موجودة في القرآن بالبيان الإجمالي ، وإلا لزم إما تكذيب السنّة في هذه الأحكام أو القول بأنّ القرآن غير صادق فيما يزعمه والعياذ بالله ، وكلاهما مما لا يمكن قبوله إطلاقاً .
والجواب : إنّ هذا المَخْلَص ليس هو السبيل الوحيد المتعيّن للتوفيق بين المعطيات المتوفرة لدينا هنا ؛ لأنّ هناك فرضيات أخر يمكن اللجوء إليها ، مثل القول بأنّ ما صدر عن النبي مما لم يكن موجوداً في القرآن الكريم إنّما هو حكم تاريخي مرحلي بوصفه مديراً لشؤون الجماعة ، وأنّ الله فوّض له مثل هذه الصلاحية ، فما لم ندفع هذا الاحتمال المعقول - بصرف النظر عن أنسنا الذهني بعدمه - فلا يمكن الالتزام بفرضية البيان الإجماليّ هذه .
ب - إن ذكر الأمور على نحو الإجمال إنما يصحّ بياناً لها حينما تكون تفاصيلها محدودةً ، لا حينما تغدو التفاصيل في الحجم والدور والمساحة أكبر بكثير من أسس الأمور وأولياتها ، فأيّ كتابٍ واضح وبيانٍ هذا الذي يحتاج قهراً إلى آلاف من الأحاديث لتفسّره ؟ ! فأن تقول : يجب الحج ، ليس بياناً للحج حينما يكون الحج ظاهرةً كبيرةً جداً ، ذات تفاصيل كثيرة وتعقيدات ، فإن العرف لا يقول : إن الحج بيّن في القرآن الكريم حينئذ على نحو « تبياناً لكلّ شيء » إلا مع تقدير « لأصول كلّ شيء » ، ولا شاهد عليه ولا قرينة .
ولعلّ ما يشهد لقدرٍ من المنافاة في محاولة الدفاع هذه ، أن علماء أصول الفقه جعلوا اللفظ على أنحاء ثلاثة : بيان ، وإجمال ، وإهمال ، واعتبروا الإهمال عدم البيان ، فيما اعتبروا الإجمال شكلًا من أشكال البيان الناقص ، مما يعني أنّ كلمة البيان عندما تطلق
حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 243
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢٤٣