مطالعة نقدية عابرة لنظرية ولادة السنّة عند المستشرقين
وتستوقفنا هذه الصورة التي رسمها المستشرقون ، ويمكن الحديث عن عدّة ملاحظات تتصل بها :
أولًا : لقد بنى المستشرقون الصورة التي نحتوها عن ولادة السنّة في التراث والتاريخ الإسلاميين وفقاً لعنصرين :
أ - التحليل الأناسي ( الأنثروبولوجي ) والعلم اجتماعي ( السيسيولوجي ) لتلك الحقبة وتلك الشعوب التي عاشت في تلك الفترة .
ب - بعض النصوص التاريخية التي استوقفتهم ، مثل حديث الإمام علي لابن عباس عن عدم الاحتجاج بالكتاب وغيره .
وقد سيطرت على دراسة المستشرقين هنا طريقة العرض المنظم لصورة متناسقة ، لكنّ مشكلتها أنها افتقدت دوماً إلى وثائق تاريخية مؤكّدة ، والشواهد التاريخية القليلة التي استندوا إليها لم تثبت تاريخياً ، وحتى لو ثبتت لم يكن للمستشرق أن يعتمد عليها في بحثه التاريخي ؛ لأنه إذا كان المسلمون قد صنعوا فكرة السنّة لدوافع متعدّدة ، فإن نصّ الإمام علي المتقدّم يجب أن يقع عند المستشرق في سياق الاختلاق الإسلامي للحديث تأكيداً لمرجعية السنّة ، فكيف صار هذا الحديث مستنداً تاريخياً للصورة الاستشراقية ؟ !
وإذا كان المستشرقون لا يثقون بالمنقولات التاريخية عن تلك الحقبة كما صرّحوا مراراً ، فكيف تمكّنت مجموعة قليلة جداً من الوثائق التاريخية أن تلعب دوراً أساسياً في تكوين صورة شاملة عن المشهد التاريخي الواسع لولادة فكرة السنّة ؟
ولنتجاوز هذه القضية إلى الجهاز التحليلي الأول الذي استخدموه ، إنّ هذا الجهاز ممتاز جداً وقادر على أن يقدّم لنا معلومات وفيرة للغاية ، لكن ليس من حقّه تجاهل الدافع الديني لمجتمع حديث الولادة تحكمه العواطف الدينية ؛ فعندما تولد الثورات الكبرى وتظهر الديانات يغلب على الجيل الأول طابع الصدق والتفاني ؛ لأنّ الثورات