بنصّ الكتاب ، نعم قد يكون صدر هذا في مواقع خاصّة لرفض حديث هنا أو آخر هناك ، وهذا غير أصل عدم اعتبار السنّة النبوية .
ثالثاً : إنّ مقولة أنّ الشافعي هو مؤسّس السنّة في التراث الإسلامي ، والتي طرحها المستشرقون والكثير من الباحثين المتأخرين في العالم العربي والإسلامي تحوي خطأً واضحاً ؛ فهناك فرق بين التأسيس النظري لمقولةٍ ما والاقتناع الوجداني غير المنظّر له بهذه المقولة ، وتاريخ الفكر قائم على ذلك ، فالعمل بالظهورات اللفظية سنّة قائمة ، لكنّ نظرية حجية الظهور فكرة متأخرة ، وهكذا الحال في نظرية حجية خبر الواحد عند من يقول بها ، فإذا كان الشافعي أوّل من طرح نظرية السنّة وأقام عليها الأدلّة والأفكار فهذا لا يعني غياب هذه النظرية في الوعي الإسلامي قبل ذلك ، وإلا فكيف نفسّر مثل كتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس ( 179 ه - ) والذي كتبه قبل أن يظهر اسم الشافعي ( 204 ه - ) في الحياة العلمية للمسلمين ؟ وما معنى موقف الأحناف ( وهم سابقون على الشافعي ) في القرن الثاني من الحديث ، وهو موقف متشدّد ؟ فلو لم تكن فكرة مرجعية السنّة والحديث قد ظهرت لم يكن هناك من تفسير لهذه الظواهر الواسعة المهتمّة بالحديث بحيث يقع الخلاف بينها في حجية المنقول وعدم حجيته لا حجية أصل السنّة الواقعية .
بل إن نفس منع تدوين الحديث في القرن الأوّل شاهد على أنّ هناك تياراً - على الأقل - كان يتجه إلى التدوين ، وهو مؤشر على اعتبار السنّة في الوعي الإسلامي الأول - في الجملة - مرجعاً يستحقّ أن يدوّن .
وعليه ، فمرحلة الوجود شيء ، ومرحلة بناء نظرية لما هو موجود شيء آخر .
من هنا ، نعرف أن إرجاع فكرة السنّة إلى عصر متأخر ، والحيلولة دون تكوّنها وفقاً لمعطيات دينية بالطريقة التي طرحها المستشرقون لا يبدو واضحاً ، فالأصحّ أن مناقشة دليل السيرة بما تقدم يظلّ أفضل ، وإثارة ما ذكره المستشرقون كاحتمال فقط يمكن الانتفاع به بهذا المقدار رغم مرجوحيّته الشديدة . مع قبولنا - في الجملة - بقدر من
حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 222
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢٢٢