تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
وفي المسجد وفي المناسبات المختلفة مثل الحج والحروب والغزوات ؟ أليس من المنطقي افتراض أن المسلمين الفاتحين احتاجوا إلى نصوصه في فتوحاتهم ؟ وأليس من المنطقي أن يكون النبي وهو زعيم الجماعة الجديدة قد قال شيئاً عن علاقات أبناء هذه الجماعة ببعضهم ؟ ألم يقم المسلمون بعد النبي الصلاة والحج والزكاة والجهاد والأمر بالمعروف و . . هل يمكن - وهذه عبادات دينية يتوقع من النبي أن يتكلّم فيها - أن لا يكون لنبيّ كلام في هذا الأمر يستفيدون منه في هذه الأفعال أو أفعال وعادات جرى عليها ثم اتبعوه فيها ؟ إنّ هناك فرقاً بين أن يكون للنبي سنّة عمل بها المسلمون وتناقلوها واحتجّوا بها على بعضهم وبين أن يكون صامتاً كأنه لا كلام له ولا دوافع أيضاً لنقل كلامه في الأمة المؤمنة الجديدة . إن الافتراض الأكثر منطقية هو أنّ النبي كانت تصدر عنه كلمات ومواقف وأفعال وعادات ، وأنّ المسلمين كانوا يتبعون ولو بعضها ، وأنّ هذا الأمر - أي وجود مرجعية للنبي - هو الذي سمح لبعض المسلمين فيما بعد باستغلال هذه المرجعية للتقوّل عليها ، أما لو لم تكن هذه المرجعية من أساسها ولم يعرف المسلمون الأوائل شيئاً عنها لكان لابد من حدوث نزاع بينهم في أصل الاستناد إلى سنّة النبي في عصر الصحابة ، الأمر الذي لا توفره لنا الوثائق التاريخية . وحتى الخلفاء الذين منعوا تدوين الحديث لم يقل أحد منهم بأنّ كل ما قاله أو فعله النبي لا قيمة له ، بل إنما تعرّضوا لكثرة الحديث تارةً وللتدوين تارة أخرى ، وإلا فقد حدّثوا بأنفسهم واحتجّوا بأحاديث النبي في الفترة الأولى التي أعقبت وفاته ، فلو كان الخلاف حول أصل القيمة التي تأخذها السنّة لوجدنا نزاعاً من نوع آخر ، وقد احتفظ المسلمون بالخلاف الذي شهدته تلك الحقبة ونقلوا منع التدوين رغم اعتقادهم بالتدوين في القرن الثاني ، لكنّ أحداً منهم - سوى في نصوص قليلة للغاية لا يجدر جعلها مصدراً تاريخياً ، وسيأتي بحثها لاحقاً بعون الله - لم يناقش في أصل قيمة السنّة النبوية أو يستنكر الرجوع لنصّها مطلقاً والاكتفاء المطلق