بالأخلاق ، فتعاليم النبي كانت مواعظ أخلاقية بسيطة سرعان ما عمّقها المسلمون ، فبعد أن جاء ينهى عن الشرك الذي عرفه العرب طوّر الأخلاقيون المسلمون فكرة الشرك لتستوعب - كما يرى جولدتسيهر - كل اتصال أو تمجيد لغير الله ، ثم نحتت الأحاديث بهذا الصدد ، وجاء الرياء ليكون شركاً أيضاً ، ومثله الكبر ، وهكذا .
وتأخذ فكرة جوينبيل الأخرى وضعاً خاصاً ، حيث يذهب إلى أنّ فكرة السنّة وظهور الحديث ترجع - نسبياً - إلى عادة العرب القدماء في اتّباع سنّة آبائهم الأولين ، ولما جاء الإسلام لم يعد يمكن للمسلم أن يجعل من سنّة الآباء الأولين قدوةً ومثالًا أنموذجياً فاستبدل ذلك - ليحافظ على عادته - بسنّة الجيل الإسلامي الأول من النبي ومن حوله من الصحابة ، وهكذا عوّض المسلم الإطار المرجعي لتقليد الآباء بابتكار فكرة السنّة والعمل على جمعها والاهتمام بها « 1 » .
بهذه الطريقة حاول الفكر الاستشراقي أن ينسف الأساس الديني لظهور فكرة السنّة ، معتبراً أنّ ظهور هذه الفكرة كان لحاجة فرضت على المسلمين الاستجابة للتطوّرات بعد عدم كفاية القرآن ولو وفق نظام تأويلي ، إن هذه الصورة التي يرسمها المستشرق تطيح بالسيرة المتشرعية وبعمل الرعيل الأوّل ؛ لأن السيرة المتشرعية مشروطة - كي تثبت شيئاً - بأن لا يكون لها منشأ غير ديني ، وبإبراز المستشرقين المنشأ السياسي والاجتماعي وحتى الأنثروبولوجي والنفسي ( كما عند جوينبيل ) لم يعد يمكن الوثوق بدليل السيرة إطلاقاً ، وعمل المسلمين الأوائل لم يعد عاكساً بالضرورة لصورة المشهد في المصدر الديني نفسه .
هامش
( 1 ) انظر في نظريات المستشرقين هذه : جولدتسيهر ، العقيدة والشريعة في الإسلام : 35 - 52 ؛ ودراسات محمّدية ( نشرت بعض فصوله مترجمة إلى العربية في مجلّة كلية الدعوة الإسلامية في ليبيا ، الأعداد : 3 - 8 ، 13 ؛ ونشرت مؤسسة دار الحديث في إيران ، ثلاثة فصول لهذا الكتاب في الكتاب الحادي عشر من سلسلة « حديث پژوهي » شتاء عام 2001 م ) ؛ ودائرة المعارف الإسلامية ، مصطلحات : الحديث ، السنّة ، الأصول و . . والتي كتبها كلٌّ من جوينبيل وشاخت .