الشريعة والقانون .
وهذه الفكرة نجد طرحها عند أمثال جولدتسيهر بطريقة تحليل أخرى ، فجولدتسيهر يرى أنّ النصوص القرآنية والوثائق المؤكّدة عن النبي لا تقدّم لنا نظاماً تشريعياً ، وإنما مجموعة من المواعظ والإرشادات وبعض الوقفات القانونية فأقلّ من نصف سدس القرآن يحكي عن الفقه ، وهو في غالبه قضايا عامّة أقرب إلى الطابع الدستوري التوجيهي منها إلى قوانين ، فلا وجود لنظم قانون مدني ، أو تجاري ، أو اقتصادي ، أو أحوال شخصية ، أو جزائي أو جنائي . . وإنما بعض المواقف المتفرّقة هنا وهناك ، وهنا عمد الفقهاء فيما بعد لتغطية هذا الفراغ بخلق نصوص نبوية تكمل الثغرات ، لتضبط حركة الأمّة الجديدة ، وتضع لها مثالًا يحتذى .
من هنا ، ذهب جولدتسيهر وشاخت إلى أنّ النصوص النبوية التي كانت متداولةً في العصر الأموي لم تكن على صلة بالفقه ، وإنما ارتبطت بمحور الأخلاق والزهد والسياسة فحسب ، على خلاف الحال في العصر العباسي الذي شهد ازدهاراً في الأحاديث الفقهية وهو العصر الذي نشأت فيه وتسامت المذاهب الفقهية الثمانية - بل وغيرها - عند المسلمين .
وقد تخطّى جولدتسيهر النبي صلى الله عليه وآله ، إلى من حوله ، فاعتقد بأنّ العادات التي عرفها المسلمون الأوائل من الصحابة سرعان ما حوّلها الأتقياء إلى مثال يتمّ السير وفقه باطمئنان ، فصارت العادات مقدّسات ، وظهرت فكرة السنّة التي هي جوهر العادات والتقاليد الإسلامية القديمة .
لقد بلغ استيعاب الحديث للتحوّلات الإسلامية مبلغاً كبيراً أن استطاع هضم واستيعاب الثقافات والحِكَم الموجودة عند الحضارات الأخرى وسائر الديانات أيضاً ، لتُصَبّ كلّها في بوتقة الحديث ، وليكون الحديث إطاراً للأفكار الدينية والخلقية في الإسلام وتطوّراته القديمة .
وفي سياق مواكبة الحديث للتطوّر التلقائي للوعي الإسلامي كانت علاقة الحديث
حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 217
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢١٧