تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
الغنية ، واستجدّت الوقائع وتركت خلفها تساؤلات كبيرة جداً . لم تكن نصوص القرآن بالتي تستطيع تغطية هذه المساحة الكبيرة جداً من التطوّر المدني ؛ لأنّ القرآن لم يكن يحوي سوى عدد محدود من المواعظ والإرشادات والحِكَم والقوانين القادرة على تنظيم حياة قبائل صغيرة ، لا تعرف الإمبراطوريات والسلطة بمعناهما الواسع ، وعندما واجه المسلمون وضعاً جديداً كان لابد من أجوبة عن كل شيءٍ مستجد ، ولم يكن يمكن لأيّ جواب أن يملك نفوذاً وسلطة وانتصاراً في الحياة الإسلامية إلا إذا استند في شرعيّته إلى الدين والمقدّس ، ولما كان القرآن محدوداً رغم عمليات التأويل البسيطة التي كانت ولدت آنذاك ، كانت السنّة الملجأ الأساس ، فتمّ تحويل الأفكار البشرية التي أتى بها الصحابة والتابعون ، وكذلك تجارب المسلمين . . . تمّ تحويلها إلى نصوص ، ثم تمّ نسبة هذه النصوص إلى النبي صلى الله عليه وآله ؛ لتملك نفوذها وسلطانها من المنطلق الديني ، حيث كانت الديانة أساساً للفكر والوعي والعمل ، وبهذا ولدت مرجعية معرفية جديدة في الفكر الإسلامي هي مرجعيّة السنّة النبوية . يضاف إلى ذلك ، أنّ النظم القانونية كانت حاجةً ماسّة لتقوية الدولة والحيلولة دون تفكّكها ضمن إثنيات متعدّدة وأوضاع اجتماعية جديدة مختلفة إلى حدّ التناقض بين ثقافات الشعوب الجديدة والوافدة - كما يقول جولدتسيهر - وغيره . على خطّ آخر - كما يرى جوينبيل - وقعت الانقسامات الحادّة بين المسلمين منذ وفاة النبي ، وتطوّرت عقب اغتيال الخليفة الثالث عثمان بن عفان ، لتنفتح على كلّ الاحتمالات بعد تولّي معاوية بن أبي سفيان للسلطة ، كانت هذه الخلافات ذات طابع سياسي في بداية أمرها ، لكن سرعان ما تحوّل السياسي إلى ديني وأيديولوجي وظهرت الفرق الإسلامية ، لقد أرادت كلّ فرقة أن تثبت نفسها ، فعمدت إلى الأحاديث النبوية لتضعها فتكون أساساً مشرعناً لوجودها ، لمّا افتقدت نصّ القرآن في الدلالة عليها ، وهكذا اعتمد مبدءان في تصفية الحسابات بين الفرق والمذاهب والتيارات الإسلامية اجتماعياً وسياسياً ، وظهر هذان المبدءان بشكل صريح وواضح في القرن الثاني الهجري