وعليه ، فسوف نناقش هذا الدليل بعيداً عن القرون الثلاثة الهجرية الأولى عند الشيعة ، وقرابة القرن الهجري الأوّل عند السنّة .
2 - إشكالية المدركية في دليل الإجماع
إنّ هذا الإجماع - مهما كان قوياً - مقطوع المدركية ، وليس فقط محتملها ؛ ذلك أنّ جملة أدلّة العصمة هي مرجع حجية السنّة عند الشيعة والسنّة إلى حد ما ، كما أن الآيات القرآنية الكثيرة التي ذكروها دليلًا منذ عصر الشافعي نهايات القرن الثاني الهجري وحتى اليوم . . كانت حاضرةً بقوّة في تأكيد مفهوم حجية السنّة ، مضافاً إلى أعداد كبيرة من الروايات المبثوثة في المصادر الحديثية عند المسلمين ، وبناءً عليه ، فهذا الإجماع مهما كان قوياً لا يشكّل دليلًا مستقلًا أبداً ، بل الدليل هو العقل والقرآن وغيرهما ؛ لأنّه لا يعبّر بعد وجودهما إلا عن اجتهاد فيهما ، وهذا الاجتهاد مهما اتفقت نتائجه بين العلماء لا يلزم سائر المجتهدين والفقهاء والأصولييّن ، إلا إذا حصل لشخص اليقين باستحالة خطئهم جميعاً فيما توصّلوا إليه ، ولا يحصل لنا مع هذه المدركية مثل هذا اليقين .
3 - تفكيك نقدي لدليل الإجماع
يمكننا أن نوجّه سؤالًا تفكيكيّاً لهذا الدليل وهو : ماذا يُراد بهذا الإجماع ؟
أ - إن أريد اتفاق جميع المسلمين - علماء وغيرهم - في جميع الأعصار على الموضوع ، فهذا أمرٌ يصعب إحرازه جداً ، حتى لو لم نجد فيما بأيدينا من نصوص التراث أيّ شاهد على عدمه ، فإنّ تحقّق مثل هذا الأمر وإن كان ممكناً - مع غضّ النظر عن المتأخرين - إلا أنّ إحرازه مشكل .
وهذه نقطة قواعديّة عامّة لا بأس بإثارتها هنا تتعلّق من ناحية بصغرى الإجماع بمفهوم الاتفاق ونحوه ، كما تتعلّق - وهو الأهم - بصغرى الشهرة أيضاً من ناحية ثانية ، إضافةً إلى ادّعاء الشهرة والإجماع ، وخلاصة هذه النقطة أنّ المصادر الأصولية والفقهية الموجودة بين أيدينا اليوم هل تعبّر عن الواقع التاريخي لآراء المسلمين تمام التعبير أم لا ؟