تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦

وقفات نقديّة مع توليفة الأدلّة

يبدو لنا أنّه يمكن أن يسجّل على هذا الدليل مجموعة من الملاحظات ، وأهمّها : الملاحظة الأولى : عندما يقسّم هذا الدليل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى نوعين : الصادر تبليغاً ، والصادر على غير نحو التبليغ فنحن نسأل : هل يقصد ما أوحي واقعاً إلى النبيّ وما لم يوحَ ؟ أم يقصد ما ظهر لنا أنه تبليغ لكلام الله وما لم يظهر ؟ أي هل يقصد الوجود الواقعي للتبليغ أو الوجود العلمي له ؟ فإن كان يقصد واقع الصادر عن تبليغ واقعي فهذا الدليل لا يكاد ينفع شيئاً ؛ لأنه بذلك يفترض أن هذا الصادر كان تبليغاً لرسالة الله مع أننا لم نحرز حتى الآن ذلك ، فهو يقول لنا : ما كان تكلّم به النبي صلى الله عليه وآله وسلم تبليغاً لنداء السماء فهو مشمول لدليل كذا وكذا ، إلا أنه كيف نعرف أن هذا الصادر تبليغ أو اجتهاد شخصي من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فهذا التقسيم على الأساس الواقعي لعنوان التبليغ وعدمه ، لا ينفع هنا عملياً . وأما إذا كان يقصد ما كان ظاهراً لنا أنه تبليغ عن الله تعالى وما لم يظهر ، فحينئذٍ يغدو التقسيم أكثر عمليةً ، إذ يمكننا الرجوع - في ضوء ذلك - إلى النص الصادر لنرى في داخله أو ضمن سياقه أنه صادر عن تبليغ رسالة الله تعالى أو لا نرى ذلك ، وعندئذٍ نرجع إلى ما قاله المستدلّ ، لكن المشكلة أنه كيف نعرف أنه تبليغ واقعي صادق لما قاله الله للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟ والجواب : إن ذلك يُعرف بدليل العصمة في التبليغ ، فإنه يشمل تبليغ القرآن وغيره مما يصدق عليه تبليغ ، أو يُعرف من الأدلّة القرآنية التي ذكرت أنه لا يمكن للرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يتقوّل على الله تعالى كذباً ، ولولا مثل هذين الدليلين لما نفع التقسيم المشار إليه شيئاً . وهذا معناه رجوع هذا الدليل في القسم الأوّل منه إما إلى دليل العصمة في التبليغ أو إلى دليل الكتاب ، فلم يقدّم لنا شيئاً جديداً على هذا الصعيد ، ومعه يكون مجرّد تكرار لعصارة جملة من الأدلّة المتقدمة سابقاً .
حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 196 | حيدر حب الله