تحويل القبلة بآيات سورة البقرة .
وهذا كلّه يؤكّد أن التوجّه إلى بيت المقدس كان حكماً شرعياً لازماً على المسلمين قبل التحويل ، رغم أننا لم نعثر في أيّ آيةٍ من القرآن الكريم على ما يدلّ على أنه شرّع التوجّه إلى بيت المقدس ، فمن أين جاء هذا الإلزام الذي فرض على المسلمين ترك قبلة آبائهم - أي الكعبة - والتوجّه إلى شمال الجزيرة العربية ؟ ! ليس من تفسير لذلك سوى أن وحياً تلقاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن لفظياً .
إذن ، صحّ أن مما يوحى إليه ما هو غير لفظي ، ولا قرآني .
قد يقال : إنّ التوجّه إلى بيت المقدس كان بمحض عقول المسلمين واجتهادهم ، وليس من الضروري أن يكون عن وحي مسبقٍ تلقاه النبي .
لكنه يُجاب : بأنّ العقل لا يهتدي إلى ذلك ، فضلًا عن أن يحدّد القبلة ؛ إذاً فلا معنى لتفسير التوجّه إلى بيت المقدس على غير أساس مقولة الوحي غير اللفظي ولا القرآني .
ويدعم كون هذا النوع من الحديث النبوي وحياً ، أي أنّ في الحديث ما هو وحي بالمعنى دون اللفظ ، جملةٌ من الآيات المتقدّمة والروايات أيضاً ، كآيات الحكمة وتعليمها وغير ذلك .
كما يشهد لفكرة الوحي النبوي غير القرآني أمور ، منها :
الأوّل : ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بعض الروايات من أنه كان يقول : إنه سيحكم بكتاب الله في كذا وكذا ، ثم يُصدر حكمه ، دون أن نجد ما ذكره في كتاب الله ، مما يعني أنه كان وحياً من عند الله ، وكمثالٍ على ذلك ما رواه الشافعي في كتاب الأم من أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لأبي الزاني بامرأة الرجل الذي صالحه على الغنم والخادم : « والذي نفسي بيده لأقضينّ بينكما بكتاب الله ، أما إن الغنم والخادم ردّ عليك ، وإن امرأته ترجم إذا اعترفت ، وجلد ابن الرجل مائة وغرّبه عاماً » « 1 » ، مع أنه لا يوجد في القرآن إلا الجلد
هامش
( 1 ) الشافعي ، كتاب الأم 5 : 136 ؛ والرسالة : 150 .