غير وحي ، فمعنى ذلك أنّ الله تعالى قد فرض علينا فيما هو وحي - أي القرآن - اتباع النبي حتى فيما ليس بوحي ، وهذا يعني أنّه سيكون الأخذ عن النبي في غير الوحي عملًا بما فرض الله على المسلمين في الوحي نفسه ، وهو القرآن ، ونتيجة ذلك أنّ ما يصدر عن النبي في غير وحي هو بمنزلته في حقيّته وصوابه .
ويشهد للزوم اتباعه آية لزوم الأخذ بما آتانا والانتهاء عما نهانا ، وجملة من الروايات المتقدّمة ، فلا نعيدها .
ومن هذا النوع ، أي ما لم يكن وحياً وأقرّه الله ولم يرفضه ، ما صدر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من اجتهاد - بناءً على جواز الاجتهاد عليه - ثم أقرّه الله ، فهذا - وهو ما يسمّيه جمهور الحنفية بالوحي الباطن - ما يقع محكوماً بحكم الوحي ، وكذلك ما صدر عن النبي على سبيل العادة والطبيعة وأقرّه الله عليه ولم يردعه عنه ، فإنّ هذا يكشف عن كونه عن رضاً من الله تعالى ، ما لم يُحرز أنّه من خصوصيات النبي فلا يلزمنا اتباعه فيه .
نعم ، ما يراه النبي في الأمور الدنيوية كمسألة تأبير النخل ، وطلبه يوم بدر النزول في مكان ظنّه صالحاً للحرب وغير ذلك ، ليس من الشرع ، ولا يلزم اتباعه فيه ، بل هو على سبيل النصح والإرشاد ، كما نفعل مع بعضنا بعضاً .
ب - وأمّا إذا لم يقرّه الله عليه - سواء كان عن اجتهاد أو من أفعال العادة - فمن الواضح خروجه عن السنّة فلا يحتجّ به ، بل يحتجّ بعدم التقرير الإلهي عليه .
وبهذا يُعلم أن تمام ما صدر عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من وحي ملفوظ أو غير ملفوظ ، قرآن أو غير قرآن ، ومما هو غير الوحي مما أقرّ عليه يكون سنةً حجّة ، ويخرج فقط أمران :
الأول : ما لم يقرّ عليه النبي فتكون الحجّة للردع لا للمردوع عنه .
الثاني : ما كان من الأمور الدنيوية العادية على سبيل النصح والإرشاد .
وبهذه التوليفة نتمكّن من إثبات حجية السنّة النبويّة « 1 » .
هامش
( 1 ) انظر : عبد الغني عبد الخالق ، حجية السنّة : 334 - 341 .