أو أمرٍ أصدره أو مقولةٍ قالها حتى لو لم يكن فيها نسبة إلى الله تعالى ، إنّ سكوت القرآن دليل الرضا الإلهي بما صدر عن النبي ، وفي هذه الحال يكون استنادنا إلى السنّة نفسها حيث لا ردع شرعيّ عنها من الله تعالى ، وهذا يثبت حجيّة كل سنّة نبوية - ولو لم تكن تبليغاً - لم يرد تعليق إلهيّ حولها .
لكنّ هذا الكلام يحتاج إلى إثبات أنّ الله يجب عليه أن يتدخّل في الموارد التي يصدرها النبي أو يتحدّث بها دون أن ينسبها إليه سبحانه ، وهذا ما لا دليل عليه إلا تصوّر مسبق في أنّ كل ما يصدر عن النبي فهو حجّة وطريق للدين ، وهذا هنا مصادرة على المطلوب ، إذ لو كانت هذه القضيّة ثابتة لما احتجنا إلى هذا الدليل ، فهي بنفسها تعبّر عن حجية السنّة النبوية مطلقاً في دائرة التبليغ وغيرها .
وبعبارة أخرى : إنّ تحديد موقعنا في البحث في غاية الأهمية ؛ فلا يصحّ نسيان أنّنا حاليّاً بصدد إثبات هذه القضايا الأوّلية ، ولا ينبغي - والحال هذه - جعلها براهين أو مقدّمات في أدلّة أخرى .
وهذا يعني أنّ سكوت الله تعالى أو القرآن الكريم عن أمرٍ صدر من النبي أو فعلٍ فعله لا يدلّ - بوصفه قاعدةً وقانوناً - على الإقرار ، إلا إذا قامت شواهد إضافية فرضت ذلك في هذا المورد أو ذاك .
الملاحظة الخامسة : إن الاستدلال على حجية السنّة فيما أقرّه الله تعالى بآيات الإطاعة ولزوم أخذ ما آتانا إياه النبي وغير ذلك ، هو رجوع إلى دليل الكتاب ، أما آيات الإطاعة فقد تقدّم الإطلاق فيها إلا ما خرج بالدليل ، فتشمل ما أقرّه الله وغيره بلا حاجة إلى تنويع السنّة ، وأما الآية الأخرى فقد تقدّم التوقف فيها وعدم دلالتها على حجية السنّة .
وبهذا يظهر النقد الرئيس على هذا الاستدلال الذي اعتبرناه مجرّد جامع لمتفرّقات كلمات علماء أصول أهل السنّة ، فإنه ليس شيئاً جديداً ، سوى أنه يثبت وجود سنّة هي وحي غير قرآني ، وإلا فلا يقدّمنا أيّ خطوة أخرى حقيقيّة نحو الأمام .
حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 199
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٩٩