قواعد التنجيز في البحث الأصولي ؛ لفرض شموله هنا لغير الآيات الفقهية الأحكامية ، بحيث يؤثر على فهم النصوص بصرف النظر عن كون محتواها مما يملك جانب عملياً قابلًا للتنجيز أم لا ، ومعنى ذلك أنه لا يوجد مرجع عقلائي دلالي يُرجع إليه هنا لرفع احتمال القرائن المتصلة ، فتسقط الدلالات القرآنية عن إمكان التمسّك بما فيها من دلالة وظهور ، إلا في حالة إحراز استبعاد آية ما عن أن تكون طرفاً من أطراف العلم الإجمالي المذكور ، وبهذا يكون التحريف مفضياً إلى سقوط حجيّة الدلالة القرآنية ؛ فينحصر الجواب حينئذٍ بإنكار هذه النظرية في بُنيتها الأوليّة ، أي رفض فكرة التحريف من رأس ، كما تقدّم في الجواب الأوّل .
ونتيجة الكلام : إنّ مجموعة أدلّة الإخباريين الهامّة هنا لا تصلح دليلًا لإثبات تعذّر العمل بالقرآن ، وبهذا يتبيّن لنا أنّ أزمة التشابه والتعدّدية التفسيرية في النصّ القرآني لا يمكنها أن تُسعف في هدر قيمة الدلالة القرآنية والمرجعية الكتابيّة لصالح حجية السنّة النبوية .
3 - مأزق المناخ التاريخي للنصّ القرآني وإعاقة عملية التفسير
الصيغة الثالثة لهدم مقولة إمكان الاكتفاء بالقرآن ، أنّ ثمّة مدارس في التراث الإسلامي الاجتهادي توصّلت إلى عدم إمكانية الرجوع إلى النصّ القرآني ، لكن من زاوية مختلفة هذه المرّة ؛ فالذين أسقطوا الدلالة القرآنيّة على أساس التشابه أو اختصاص القرآن بأهل البيت ، كانوا ينتمون إلى الفريق الإخباري الأكثر مذهبيّةً في التراث الشيعي ، أمّا هذه المرّة ، فإنّ أنصار الإعاقة في عملية التفسير القرآني ينتمون إلى المدرسة الأصولية الشيعية والسنّية ، وعلى خصام تامّ مع المذاهب الإخبارية والحديثية ، ويتسمّون في مدارس أصول الفقه الشيعي بالمدرسة الانسدادية ، من هنا تعدّدت المنطلقات واختلفت ، كما ينتمي فريق آخر منهم إلى المدرسة النقدية اللغوية المعاصرة في الغرب .