الملاحظة الأولى : إنّ هذا الكلام - إذا تمّ والتأمت عناصره - يجري في السنّة النبوية بطريق أولى ؛ فإنّ ظروفها أعقد والعلم بما أحاط صدورها من ملابسات أقلّ ، فالنصّ القرآني قد قيل الكثير وتوفرت العديد من معطيات نزوله ، إلا أنّ السنّة ليست كذلك ، فأسئلة السائلين وظروف الأسئلة في غاية الغموض ، فهذا الوجه يوقع المستدلّين به فيما أرادوا الفرار منه ، فإنّهم قصدوا الاحتجاج بسقوط دلالة القرآن لإثبات حجيّة السنّة ، فيما هذا الدليل يُسقط بنفسه حجية دلالة السنّة عينها ، وهذا معناه أنّ هذا المعضل يواجه النص الديني - بل التاريخي مطلقاً - بالدرجة الأولى ، بلا تمييز في هذا النصّ بين الكتاب والسنّة ، بل وسائر الكتب السماوية المحرّفة وغيرها ، فلا ينفع في مجال دراستنا هنا بتاتاً .
الملاحظة الثانية : إنّ نظرية المقصودين بالإفهام يسجّل عليها نقد رئيس - بعيداً عن تفاصيل بحثها - وهو أن نحدّد من هم المقصودون بالإفهام في الخطاب القرآني ، فإنّ الذي يبدو من أدلّة الكتاب والسنّة باتفاق المسلمين تقريباً - وبرهانه موكول إلى محلّه - أنّ القرآن يخاطب الإنسان في كلّ زمانٍ ومكان إلا ما خرج بالدليل ، فقد قُصد بنصوصه إفهام تمام الخلق ، ومعه فحتى لو قلنا باختصاص حجية الظهور بالمقصودين بالإفهام ، إلا أنّ المعدومين مقصودون بالإفهام أيضاً به ، وحتى لو أحدثنا ثغرة في هذا المعطى الكلامي - القرآني ، عبر افتراض سريان التاريخية إلى نصّ القرآن ، فإنّ هذا لا يعني أنّ تمام نصوصه تاريخية ، بل يعني أنّ بعض نصوصه ممّا يمكن أن يسري إليه البُعد التاريخي ، وفقاً لما تناولناه في دراسة أخرى حول موضوع تاريخية نصّ القرآن ، وسنشير إلى ذلك في بحث تاريخية السنّة آخر هذا الكتاب ، إن شاء الله .
الملاحظة الثالثة : إنّ نظرية اختصاص حجية الظهور بالمقصود بالإفهام ( أو بالمشافه ) تطال نصوص السنّة أكثر ممّا تطال نصّ الكتاب ؛ فإن أكثر أو فلنقل : الكثير من خطابات السنّة جاءت أجوبةً خاصّة لأفراد أو أحداث أو وقائع جزئيّة ، وإنما قمنا نحن بتعميمها للجميع انطلاقاً من قاعدة اشتراك الأحكام التي برهنوا عليها بالسنّة
حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 187
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٨٧