إليه « 1 » ، والقرآن الكريم من تلك الأشياء المغايرة للسنّة .
وهذا المنطلق يؤخذ عليه أولًا : إنّه يتعامى عن الاختلافات التي سبّبتها الأحاديث ، فقد وقع التعارض في النصوص الروائية حدّاً لا يكاد يتصوّر وكان سبباً في اختلافات حادّة بين الفقهاء والمتكلّمين ، بل قد بلغت اختلافات الأخبار في الطائفة الشيعية فقط حدّاً أن ألّف الشيخ الطوسي ( 460 ه - ) كتاب « الاستبصار فيما اختلف من الأخبار » ؛ بهدف حلّ اختلاف ما يقرب من خمسة آلاف حديث ، فأيّ صورةٍ يرسمها لنا الأسترآبادي هنا ؟ ! وما هو ظنّك بمجموع أحاديث المسلمين لو أخذت معاً وحُسب حجم الاختلاف بينها وما تسبّبه ذلك من الاختلاف بين مذاهب المسلمين وعلمائهم ؟ !
ثانياً : إنّ أيّ نصّ يطرح على جماعةٍ من الطبيعي أن يُفهم بطرائق مختلفة ، فكيف إذا انهالت عليه فهوم أجيال متعاقبة ، مختلفة في أذواقها وطرائق تفكيرها ، وطبقاً لهلامية الدلالات اللغوية وكونها لا تفصح تماماً عن تمام مدلولاتها ، كما ثبت في الدراسات اللغوية المعاصرة ، كما وطبقاً لنظرية تأثير المخزونات المعرفية المسبقة والمواقف الفكرية المسبقة على فهم النص ولو على نحو الموجبة الجزئية ، كما تقرّر في علم المعرفة المعاصر ، فإنّ نصاً ببلاغة النص القرآني وأدبيّته ورمزيّته من الطبيعي أن تخلق قراءته اختلافاً ، ليس هو فحسب ، بل تمام النصوص الدينية الأخرى ، كنصوص السنّة الشريفة ، ومعنى ذلك أن ما قيل عن أنّ نصّ القرآن يفضي الرجوع إليه إلى الاختلاف صحيح ، لكنه لا يعبّر عن نقص في القرآن نفسه ، بقدر ما يعبّر عن طبيعة عمل العقل البشري في تعامله مع اللغة ، وبهذا يستوعب الموضوع نصوص السنّة أيضاً ، فإذا كانت إشكاليّة الأسترآبادي واردةً فهي واردة على مطلق النصّ ، لا على ما هو غير نصوص السنّة .
المنطلق الثالث : مجموعة الأدلّة الدالّة على تحريف القرآن الكريم ، سواء كانت أدلّةً حديثية أم غيرها مما ذكره المستشرقون وغيرهم ، فإنّ هذا ما يهدم الدلالة القرآنية ، ومن
هامش
( 1 ) المصدر نفسه : 129 .