تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
الوضع والاستعمال ، أو لإحساسهم بثبات اللغة وعدم انقداح شك في أذهانهم العرفية في حصول نقل ، أما لو حصل شك حقيقي في كلمةٍ ما وتوافرت له معطيات ، مثل الحال التي نحن فيها هنا ، والتفت الوعي العقلائي إلى هذا الشك ، فلا شيء يؤكّد أنّهم يبنون على قاعدة من هذا النوع لسحب مدلول كلمةٍ من الآن إلى عهد إبراهيم عليه السلام أو بعده بقليل ، ولكي يتأكّد الشك في انعقاد عملهم على ذلك راجع سيرة المحقّقين والباحثين في التراث القديم وفي الحفريات ، هل يتوقفون عند الشك الحقيقي - لا الشك الافتراضي - أم أنهم يفسّرون النص وفقاً لما بات للكلمة من معنى في عصرهم ؟ ومن الواضح أنّ العرف العقلائي دليل لبّي ليس فيه دلالة إطلاقيّة ، لهذا نأخذ فيه القدر المتيقن ، وهو حالة عدم حصول شك حقيقي . والتمييز بين الشك الحقيقي والشك الافتراضي نقطة بالغة استفدنا منها في أبحاث عدة وسوف نستفيد منها بعون الله في مباحث لاحقة من هذا الكتاب ، والمرجع فيها إلى أن الشكوك المحضة الافتراضية ليست شكّاً عند العقلاء ؛ لأنها تجامع العلم العادي الذي هو الاطمئنان عندهم ، على خلاف الشكوك الحقيقية التي تتوفر فيها معطيات تفرض حالة الريبة والتوقف عندهم ، ولأن علماء أصول الفقه تأثروا بالمنطق الأرسطي والفلسفة العقلية اعتبروا - ولو من حيث لا يشعرون - أن تجاهل العقلاء للشكوك من النوع الأول معناه أنهم يرون قاعدة الثبات في اللغة ، مع أنّ ذلك التجاهل لا يرجع إلى بلورة قانون عقلائي في حال الشك ، وإنما إلى إلغاء عقلائي لظاهرة الشك قبل ذلك ، عبر حذف نوع من الشكوك المحضة المنطقية عن أن تكون شكوكاً ، ليجعل العقلاء من الاحتمال المقابل لها علماً ، ولو عادياً بحسب تسمية بعضهم ، وهذا ليس قانون تنزيل للظن منزلة العلم ، فالعقلاء لا يلحظون تنزيلات هنا ، بل هو العلم عندهم حقيقةً ، وإن لم يحسبه المنطق العقلي علماً ، وأين هذا من إجرائهم أصل عدم النقل عند الشك الحقيقي ؟ ! ومحصلة الكلام أنه لا يوجد شيء اسمه قاعدة عدم النقل ، يُرجع إليها في حالات