العبادات الطقسية - ولو بغير صورتها الإسلامية - إطلاقٌ حقيقي ، نعم ، صار هناك انصراف للصلاة الإسلامية لكثرة الاستعمال فيها ، تماماً كانصراف كلمة « بيض » إلى بيض الدجاج ، فدعوى أنّ النقل قد حصل لخصوص الصلاة الإسلامية في غير محلّها ، بل حصل من مطلق الكفّ إلى كفّ طقسي ديني ، أو من مطلق الدعاء إلى دعاء خاصّ عبادي ديني ، وهكذا .
ج - - العبادات العربية والعبادات الإسلامية
كيف تأكّد المستدلّ أنّ العرب حال نزول القرآن كانوا عالمين بالعبادات بشكلها الإسلامي توارثاً عن إبراهيم عليه السلام مع أنه لا يوجد دليل تاريخي يؤكّد ذلك ؟ فأين هي النصوص التاريخية المؤكّدة التي تُثبت أنّ إبراهيميّ العرب كانوا يقيمون هذه الصلوات ؟ هل يريد أن يقول : إنّ المشركين كانوا يقيمونها ، مع أنّ القرآن نصّ على عكس ذلك في آية المكاء والتصدية « 1 » ؟ أم يريد القول : إنّ اليهود والنصارى في شبه الجزيرة العربية كانوا يعهدون هذه العبادات ، وهذا ما لا ينصّ عليه أيّ مؤرخ أو مصدر ديني لأهل الكتاب ؟ وإذا كان خبرٌ تاريخي في هذا الكتاب أو ذاك كافياً ، فلن يكون كذلك عند نقّاد السنّة - ومنهم قاسم أحمد - الذين أنكروا حجية الظنّ في الدين ، فكيف يمكن في موضوعٍ من هذا النوع الاكتفاء بالظنّ فيه ؟ !
أضف إلى ذلك ، أنّه إذا كانت الصلوات الإسلامية موجودةً لدى إبراهيميّ العرب ، من غير المشركين وأهل الكتاب ، فإنّ هذا لا يعني أنّ الاستخدام اللغوي للكلمة سوف يفهم منه الإنسان العربي آنذاك هذا النوع الخاصّ من الطقس الديني الإسلامي الذي بتنا نعرفه اليوم ؛ لأنّ قلّة عدد الإبراهيميين في الجزيرة العربية قد يجعل هذا الاستخدام في فعلهم الخاصّ قليلًا في اللسان العربي ؛ ومن ثمّ سيبعّد احتمال حالة الأنس الذهني
هامش
( 1 ) الأنفال : 35 .