أنّه إمّا أن يكون بناء العقلاء فينتقد بما سيأتي قريباً ، أو يرجع إلى الروايات الشرعية التي شرعنت الاستصحاب ، وهذا ما لا يمكن تبريره في هذه المرحلة ؛ وذلك :
1 - كيف يمكن أن نتّخذ من روايات الاستصحاب هنا دليلًا على أمر مع أنّ أصل السنّة النبوية ما يزال محلّ بحث ؟ فهذا نوع من الخلل المنهجي ، فهذه الروايات لا تعدو أن تكون من السنّة ، فكيف تُجعل مرجعاً في حلّ معضل يتصل ببحث حجية أصل السنّة ؟ ! هذا بغض النظر عن أنّ صدورها كان على نحو اليقين بالتواتر أو غيره ، أو على نحو الظنّ مثل ما لو كان من أخبار الآحاد ، والأرجح أنها أخبار آحادية لا تفيد الاطمئنان بصدورها في المقدار الذي يعطي تعميماً دلالياً منها .
2 - إنّ هذه الروايات - لمن راجع بحث الاستصحاب في أصول الفقه الإسلامي - ظاهرة في حالة افتراض اليقين السابق والشك اللاحق ، أي كنت على يقين بشيء ثم عرض لي شك بتغيّر حال هذا الشيء ، فأستصحب الحالة السابقة ، وهي - أي الروايات - منصرفة عن حالة اليقين اللاحق والشك السابق كما فيما نحن فيه ، سواء بنينا على نظرية اليقين والشك أو المتيقن والمشكوك هناك ، لا فرق .
ب - إنّ هذه القاعدة مستوحاة عندهم من قيام السيرة العقلائية والعرف العقلائي على غضّ الطرف عن تحوّلات اللغة ، فيتصورّ العرف أنّ اللغة كيان ثابت ، فيما هي نهر سيّال متدفّق بالتحوّلات ، وحيث إنّ الشريعة لم تخطّئ هذا التصوّر في التعامل مع اللغة ، مع أنّه تصوّر يمسّ أهدافها العليا ؛ كون مصادر الشريعة في الغالب من النصوص اللغوية ، عنى ذلك رضاها عن هذه الطريقة في التعامل مع نصوصها ؛ لهذا لا نأخذ بعين الاعتبار أيّ شك في حصول تحوّل ، بل نسير على طبع العرف العقلائي الحاكم في هذا المضمار .
وهذا المنطلق لشرعنة قاعدة عدم النقل أو قاعدة الثبات في اللغة غير صحيح أيضاً ؛ وذلك لأنّنا نشكّك في أساس وجود عرف عقلائي على ذلك ؛ فالعقلاء إنما يعملون بما يفهمونه من النصوص القديمة اليوم انطلاقاً من عدم التفاتهم إلى احتمال اختلاف
حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 173
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٧٣