كون الصلاة والصيام والزكاة تشريعات عبادية طقسية سابقة ، لا مجرّد معطى لغوي ، لا يدلّ على تطابق هذا الطقس الديني في الديانة الإبراهيمية معه في الديانة الإسلامية من حيث الهيئة والكيفية ، كما يريد المستدلّ ، ومن ثم لا يُثبت أنّ الصلاة الإسلامية كانت موجودةً في العصر الإبراهيمي .
والفرق بين هذا الجواب وما ناقشناه من جوابٍ في التعليق الأول هامّ وأساسي ؛ فإنّ المستدلّ أراد تجاوز الدلالة اللغوية البحتة إلى افتراض وجود طقس ديني ، ونحن قبلنا معه هنا ، لكننا نقلنا المناقشة من التفسير الدلالي للآيات إلى المصداق الواقعي للعبادات ، فلم يعُد يمكنه الاستناد إلى الآيات ؛ إذ غاية ما تفيد وجود عبادات بهذا الاسم في الديانة السابقة ، لكنه لا يؤكّد اتحادها في الصورة والكيفية ، فهذا ما يحتاج إلى دليل آخر - غير الآيات - لإثباته .
وكأنّ المستدلّ افترض أن مجرّد إثبات طقسيّة الصلاة والصوم في الديانة الإبراهيميّة يعني اتحادها مع الصورة الإسلامية ، ونحن لا نريد هنا إثبات الاختلاف أو افتراضه مسلّماً ، بل نطالب المستدلّ بإثبات وحدة الصلاتين مثلًا ؛ إذ عدم إثبات ذلك معناه أنّ الصلاة الإسلامية لم تكن - بهيئتها وصورتها - موجودةً في العصر الإبراهيمي ، ولمّا لم يتمّ توارثها منذ ذلك العصر كان معنى ذلك أنّها جاءتنا من السنّة النبوية ، وهذا ما يقع على طرف النقيض مما يريده الدكتور قاسم أحمد في نظريّته السالفة الإشارة إليها .
وربما تقول : إنّ دعوى النقل والتحوّل اللغويّين التي ينفيها المستدلّ هنا تفترض أنّ كلمة صلاة وصيام تُطلق في العصر الإسلامي على الكيفية الإسلامية الخاصّة لا على مطلق الطقس الديني ، فيعود الإشكال دلالياً .
إلا أنّ هذا الكلام غير دقيق ؛ فإنّنا اليوم ورغم تجذّر الاستعمال الإسلامي للكلمة ما زلنا نطلق على طقوس اليهود والنصارى الكلمات نفسها ، فنقول : صوم المسيحيين هكذا ، واليهود لديهم صلاتهم ، ولا يظهر أنّ الاستخدام اللغوي في هذه الجمل مجازيٌّ ، كاستعمال كلمة أسد في الرجل الشجاع ، وهذا معناه أن إطلاق كلمة صلاة على
حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 170
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٧٠