منظور المعنى الأول عن الثاني ، كما لعلّه لذلك ركّز صاحب تاج العروس على معنى القدوة « 1 » ، وهذا الحضور المضاعف نسبياً يساعد - بدرجة ما - على ترجيح انصراف معنى القدوة من الكلمة عند إطلاقها .
لكن هذه المناقشة غير قويّة ؛ فإن مفهوم التأسّي - بالمعنى الثاني - له حضوره أيضاً ، بل جعل أوّل المعاني في بعض المصادر اللغوية كالعين والصحاح ، ومجرّد الأكثرية لا يحقّق انصرافاً ما دام المعنى الثاني حاضراً بقوّة أيضاً ، ولا سيما مع كون سياق الحرب مما يحتمل حصول حالات تأسّي بغير معنى الاقتداء .
ثالثاً : لعلّ التأمل في المعنيين يفيد رجوع معنى المواساة في دلالة الآية ومثلها إلى الاقتداء ، فإن جعله أسوة في مصابه ، تعبير آخر عن جعله أنموذجاً تهدأ النفس بمعرفة ما أصابه ، فكأن المراد : اقتد به فيما أصابه ، وافعل كما فعل ، ولا نزعم عودة أحد المعنيين دائماً إلى الآخر ، بل ولو في بعض الموارد ، وهذا ما يؤكّد فكرة القدوة وأنها الأصل في تفسير الكلمة .
وهذا الجواب حاله حال الجواب الأوّل في أنه يبقي تعطيل الإطلاق على حاله .
رابعاً : لعلّ وصف الأسوة بالحسنة يرجّح معنى القدوة ، فلو كان المراد لكم فيما أصابه أسوة ، أي تتأسّون به عندما يصيبكم مثله ، فإن التعبير بالحسنة غير واضح ، فإن ما يقابل الحسن إما السيء أو القبيح ، وهذا ما لا ينسجم معناه مع الأسوة بغير القدوة ، إذ القدوة قد تكون حسنةً وقد تكون سيئة ، أما ما يتأسّى به الحزين فهو عادةً أمر ضارّ ومصيبة عارضة على من نتأسّى به ، فالوصف بالحسن قد لا يبدو منسجماً ، إلّا إذا أرجع المفهوم إلى الاقتداء ، كما ذكرنا في الملاحظة السابقة .
هامش
( 1 ) راجع : الفراهيدي ، العين 7 : 333 ؛ والجوهري ، صحاح اللغة 6 : 2268 ، 2459 ؛ وابن الأثير ، النهاية 1 : 52 ؛ وابن منظور ، لسان العرب 14 : 35 ، 36 ؛ ومختار الصحاح : 17 ، 271 ؛ والفيروزآبادي ، القاموس المحيط 4 : 299 ؛ والطريحي ، مجمع البحرين 1 : 76 ؛ والزبيدي ، تاج العروس 10 : 17 ، 289 ؛ والراغب الإصفهاني ، المفردات : 18 .