أطلقت العرب هذا التعبير إلا على مثل من تراه معصوماً ، أما هذه الإطلاقية الشاملة المستفادة فهي من تأثير القراءة المنطقية اليونانية للنصوص ، وهي طريقة بعيدة عن روح الكلام العربي .
ولمزيد بيان لهذه النقطة المنهجية في فهم نصوص اللغة العربية بالخصوص بل نصوص اللغة العرفية عادةً ، نقول : إن المتكلّم العرفي أو المتكلّم المستخدم لطرائق العرف في التعبير يختلف عن المتكلّم الفلسفي أو الرياضي ، ولا نقصد بالاختلاف أن المتكلّم العرفي غير دقيق ، مما لا يمكن الالتزام به في حق الله تعالى أو المعصومين عليهم السلام ، بل المراد أنه حينما يبيّن يسير في طريقة بيانه على الأسلوب العرفي ، فالعرف حينما يريد بيان قضيةٍ كلية بالمعنى المنطقي للكلمة ، يميل عادةً إلى استخدام العموم النصّي الصريح ، وقليلًا ما نجده يعتمد على الصيغ الإطلاقية في مجال الجمل الخبرية ، فعندما يقول العرف : فلان متديّن ، فلا يُراد أنه متديّن ملتزم بالدين في تمام أموره بحيث لا يعصي ، وعندما يقال : فلان عالم ، فلا يعني إطلاق العلم بحيث لا يخفى عليه شيء حتى ضمن علمٍ واحد ، وعندما يقال : زيد كريم فلا يعني أنه لا يصدر منه بخلٌ البتة . . بل المراد في تمام هذه الجمل أن فلاناً تحكمه في أغلب حالات حياته مبادئ الدين وأحكامه ، أو هو صاحب علم كبير في الموضوع الفلاني ، أو هو في غالب تصرّفاته المالية كريم وهكذا ، وهذه الطريقة في الفهم العرفي بالغة الأهمية ، لا سيما على مستوى اللغة العربية ، التي لم تكن لغة فلسفة أو رياضيات أو منطق بحيث يصطبغ العقل العربي بآليات التخاطب الصارمة الموجودة في اللغة العلمية .
ولا نعني بذلك أن تمام آيات القرآن جاءت على الغالب ، فإنّ شواهد الموجبة الكلية الحافّة بالآيات كثيرة ، بل نقصد أننا عندما نفقد قرينةً متصلة أو منفصلة أو ارتكازاً حافّاً بالنصّ يساعد على الفهم الكلّي الإطلاقي من الجمل الخبرية أو غيرها فالمفترض أن لا تحكمنا آليات التعامل مع النصّ العلمي ، وكأننا نفكّك كتاباً تخصصياً على طريقة التأليف الصارمة ، وهذا المنهج العرفي المبسّط في التعامل مع النص اللغوي ، مؤصّل في
حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 112
مساهمون: حيدر حب الله
ص١١٢