التعليق السادس : ما ذكره بعض المعاصرين « 1 » من أن آية الأسوة - وهي الآية الأولى المتقدّمة - لا يراد منها أكثر من الاتباع للنبي في أسس الدعوة وما جاء في القرآن الكريم ، وشاهد ذلك - طبقاً لمنطق أن القرآن يفسّر بعضه بعضاً - آيةٌ أخرى جاء فيها :
( قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ )
( الممتحنة : 4 - 6 ) .
فهذه الآيات تشرح مضمون الأسوة في التبرّي و . . في تعبيرها « إذ قالوا لقومهم » ، وهذا ما يدلّ على أنه لا يراد به ناحية إطلاقية تستدعي الاقتداء الشخصي بكلّ الأفعال والأقوال ، فلا تكون دليلًا على حجية السنّة النبويّة .
وهذه المحاولة خطوة جيدة في مقاربة الآيات ، لكنّها غير دقيقة ؛ وذلك أنّ مجرّد ورود كلمة واحدة في موضعين في القرآن الكريم لا يحدّد وحدة تناولهما دائماً ، بل يحتاج - لكي تتمّ هذه المقاربة - إلى دراسة طبيعة الاستخدامين ، ولو عمّم المنهج الذي يريده المستشكل هنا على كلّ تفسير للقرآن والآيات لأوقعنا في أخطاء حقيقيّة .
وعليه ، لا نرتاب في أن المراد بالأسوة في مورد إبراهيم عليه السلام خصوص ما شرحته الآية بعد ذلك ، وتعبير الآية الأخيرة سيكون حينئذٍ تابعاً للآية الأولى ؛ لأنها قرينة متصلة بها تمنعها عن أيّ إطلاق أو تعميم ، سيما تعبير « فيهم » الوارد فيها ، في إشارة إلى الآيات السابقة عليها ، أما في آية الأسوة التي يُستدلّ بها هنا فلايوجد أيّ تقييد يحدّد
هامش
( 1 ) قاسم أحمد ، العودة إلى القرآن : 84 - 85 ؛ وعلي حب الله ، دراسات في فلسفة أصول الفقه : 595 .