تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
هذا المورد ، ففي قصّة إبراهيم ومن معه لمّا بُيّن الجانب الذي تريد الآية أن يقع الاقتداء به ، لم تكن هناك غرابة ؛ لأن المورد هامّ وضروري ، أما هنا فإذا قيل بكفاية موردٍ واحد ، مهما كان ، فإن عنوان الأسوة سوف يصدق على غير النبيّ أيضاً ، بل على أيّ إنسان تقريباً ، يصحّ الاقتداء به ولو في موردٍ واحد ، فمع عدم بيان المورد لا تكون مزيّة لتأسيس مبدأ الأسوة للنبيّ ، ولا تخصيصه بالذكر ، وهذا واضح ، فما ذكره أبو الحسين البصري ( 436 ه - ) من أنه لو كان دليل التأسي يفيد ولو في موردٍ واحد لثبت المطلوب ، وهو الوجوب في الجملة ، في غير محلّه ، إذ لا نفع له ولا محصّل منه ، كما بيّنا . اللهم إلا أن يقال بأنه من الممكن الاستناد إلى السياق القرآني المحيط بالآية لإثبات أنّ الأسوة فيها يراد بها ما يرجع إلى سلوك النبي في الحرب ؛ فإنّ السياق كلّه سياق الجهاد والحروب ، فكأن الآية تريد أن تقول : لقد كان النبي في هذه الحروب - لا سيما حرب الأحزاب التي جاء السياق بها - قدوةً لكم لتفعلوا فعله وتهتدوا بهديه وتقتدوا به ، ومع هذا الاحتمال الناتج عن السياق المحيط تتعطل قدرة الإطلاق في الآية الكريمة وفي الوقت عينه تظلّ مفيدةً في معطياتها . ومبرّر ذلك هو نظرية السياق القرآني ؛ فإن قراءة الآية ضمن هذا السياق يعطي هذا المعنى ، أما بترها عنه فهو الذي يوحي بأنها بصدد تأسيس قاعدة عامة في السلوك النبوي . هذا كلّه ، ما لم يناقش أحد في وحدة نزول هذه الآية مع السياق المحيط بها ، وإلا بطلت هذه الاستفادة السياقية . ب - وأما الدعوى الثانية ، فهي للإنصاف تامّة ، وما شاع بين العلماء من أخذ مفهوم الأسوة في الآية بالمعنى الإطلاقي المفيد لثبوت موجبةٍ كلية قد لا يكون منسجماً مع الطبيعة العرفية للدلالة اللغوية في اللسان العربي ؛ فإن العرب إذا أعلنت شخصاً قدوةً لها ، فإن المراد بذلك - إذا لم يحدّد مورد القدوة ، كما حصل في قصّة إبراهيم - أن يعني الطابع العام لحياته والخط العامّ لنمط حياته ، والعناوين العريضة في تفكيره ، وإلا لما