فلا عاطفته تضرّ بعقله ، ولا عقله يذهب بعاطفته ودفء قلبه ، وهذه مرحلة مهمّة أن يصل إليها الإنسان ، فمبدأ المبادئ هنا هو تهذيب النفس وتطهير الروح والتحلّي بالأخلاق الجميلة ، وعلى رأسها الروح الرساليّة التضحويّة ، فهذه الروح هي التي تجعل الإنسان في المقام الحسيني : ( هوّن ما نزل بي أنّه بعين الله تعالى ) .
وعندما أقول ذلك فلا أعني أنّ الوصول إلى أعلى مراتب هذه الحالة أمرٌ ميسور وسهل أو هو نزهة عابرة ، بل أعني أنّه هدف سامٍ يمكن أن نسير نحوه ، فإن لم ننجح في الاقتراب منه ، فعلى الأقلّ سننجح في عدم الوقوع في مزيد من الابتعاد عنه إن شاء الله .
النقطة الأخرى المهمّة هنا أيضاً ، وهي مرحلة متقدّمة في التدريب الروحي الذي تحدّثت عنه النصوص الدينية ، أن تخوض غمار الحياة بإحساسٍ روحيّ نبيل ، فأنت تنشغل بردّ إشكاليّة معّينة وأنت تشعر بطمأنينة روحيّة وسعادة ؛ لأنّك بهذا الأمر تقدّم خدمةً للقيم الكبرى ولسبيل الله تعالى . عندما يمتزج هذا الشعور بخوض غمار التحديات المعرفيّة المعاصرة فسيكون شيئاً أكثر من رائع ، وسيشعر الإنسان بأنّه - وهو يجادل - يقترب من التسامي الروحي ، وبأنّه - وهو يكتب أو يقرأ أو يردّ أو يفكّر في موضوع إشكالي معاصر . . - هو يناجي الله بأنّني أعمل لأجلك ، أنا أفكّر لأجلك ، وأكتب لأجلك ، وأخطب لأجلك ، وأناقش وأحاور لأجلك ، وأتأمّل أكثر القضايا بُعداً عنك فيما يبدو لي ، لأجلك أيضاً . هذا الشعور - وليس الاعتقاد فقط - وهذا الحسّ الملموس المقارن لأعمالنا هو الذي يجعل من ما اعتبرتموه موجباً للبُعد عن الروحانية ، مقرّباً منها ، وهذه مرحلة سامية تحتاج للكثير من المراس والتدرّب أيضاً . .
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 540
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٤٠