هنا يظهر مفهوم اللجوء إلى الله والالتجاء إليه ، فأنت عندما يهجرك قومك أو يسبّوك أو يظلموك أو يعتدوا على قضيّتك وعلى كرامتك وعلى جماعتك وعلى أمّتك ، ويتعاملون معك بالسوء . . تذهب إلى الله - كالطفل الصغير الذي يأتي إلى أمّه عندما يعتدي الأطفال عليه - فتبكي بين يديه ، وتشتكي إليه ؛ لتأخذ منه طمأنينتك ، وهكذا كان الأنبياء ، فلو راجعنا القرآن الكريم لوجدنا أنّ الأنبياء في اللحظات الحرجة في الحياة كانوا يرجعون إلى الله ويخاطبونه ويطلبون منه العون ، ويلقون بهمّهم وضيق صدرهم إليه ، ليكتسبوا من ذلك طمأنينتهم وسكينتهم ، وما أدراك ما السكينة في زمن التوتر الدائم الذي نعيشه ! ولهذا قال الله تعالى لنبيّه :
( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ )
( الحجر : 97 - 99 ) ، فضيق الصدر ينجلي بتسبيح الله وعبادته والسجود له .
ويقال : إنّ بعض الفلاسفة والعرفاء الكبار كانوا إذا أشكل عليهم أمرٌ فلسفي دقيق ، جعلوا ملجأهم الله ، فصلّوا لله تعالى وسجدوا له وطلبوا منه العون ، ليفكّروا في طمأنينة ، وفي إحساسٍ سعيد بأنّ قوّةً غيبيّة قد تُعينهم للوصول إلى حلّ ، فهذا الإحساس عندما يصاحبك وأنت تبحث في قضيّة عقليّة جافّة فهو يندمج مع جفاف العقل ، كغيث ينهمر بمطرٍ على أرضٍ يابسة قاحلة جافّة . .
هذه الأمور ليس معلومات ، بل هي دربة ومراس ومرور وقتٍ وزمن ، قد ينجح معه الإنسان بدرجة معيّنة ، وقد ينجح آخر بدرجة أعلى ، وبحسب ما يقدّم ويقدّر الله له فإنّه يرزقه من هذا التوفيق . أكتفي بهذا القدر ، رغم أنّي أتكلّم بما لست فيه في العير ولا في النفير . رزقنا الله وإيّاكم طمأنينة ذكره وحلاوة انسه وجميل كرمه ولذيذ مناجاته ، إنّه وليّ قدير .