وقد سبق لي أن نشرتُ قصّةً سمعتها من أستاذنا المرجع السيد محمود الهاشمي حفظه الله ، فقد قال لي بأنّ شخصاً في زمان السيد محسن الحكيم كان يريد أن يُرسل له رسالة ، ولمّا أراد تصدير الرسالة بما فيه مدح واحترام لشخصيّة السيد محسن الحكيم رضوان الله عليه ، شعر من شدّة عظمة السيد محسن الحكيم أنّه لم تعد تكفيه كلمة آية الله العظمى ، فخاطبه بالقول : إلى ( الله العلماء ) السيد محسن الحكيم ! !
ماذا تعني هذه القصّة بصرف النظر عن تفاصيل حرفيّاتها ؟ إنّها تعني أنّ هذا الكاتب أدرك بأنّه ليس فوق آية الله العظمى إلا الله ، إنّه ربط في لاوعيه بين هذا المرجع وبين الله ، فهل يمكن بناء حريات فكريّة في وسط من هذا النوع ؟ وهل سيتمكّن حتى طلاب العلوم الدينية من أن يطلقوا - وبالمقدار اللازم - الإبداع الكامن في صدورهم أمام مثل هذه الشخصيات أم سيعيشون التهيّب النفسي منها ؟ وهل من المطلوب أساساً تقديم رجال الدين بهذه الطريقة أم أنّهم بشر يجتهدون ويصيبون ويخطؤون ، وعلى الأمّة تصويب حركتهم وعليهم تصويب حركة الأمّة ؟ وهل ثقافة التأليه ( صدر المتألّهين وآية الله والحكيم الإلهي والحكيم المتألّه وأستاذ البشر والعقل الحادي عشر وجامع المعقول والمنقول ) هي ثقافة محبوبة دينيّاً أم أنّ ثقافة بشريّته هي المحبوبة لا سيما مع كونه غير معصوم ؟
إنّ تقديم الزعماء الدينيّين على أنّهم ظلّ الله على الأرض والناطقون باسم الله ، وإشعار المجتمع بأنّهم فوق النقد ، وبأنّهم يدركون ما لا يدركه أحد ، وأنّ لهم حبل خاص ممدود لهم بين السماء والأرض ، مرفقاً ذلك كلّه بهذه التوصيفات التأليهيّة التي تزيد في تقديري على توصيفهم بكلمة ( إمام ) ؛ لأنّ كلمة ( إمام ) تُفهم في السياق الإسلامي العام على أنّه المتقدّم بين أقرانه ، بينما هذه تفهم على أنّه
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 495
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٩٥