المنهج ، لا بمعنى التباين التام بين المنهجين أو كونه أعرض تماماً عن منطق أرسطو أو الفلسفة العقليّة ، بل هو يشترك معهما ، غايته استقلّ بنظريّة أخرى في تفسير المساحة الأكبر من المعرفة الإنسانيّة . وهذا واضح لكلّ من عاين دراساته في ( فلسفتنا ) و ( الأسس المنطقيّة للاستقراء ) ، وكذلك بحوثه في ( محاضرات تأسيسيّة ) إلى جانب دوراته الأصوليّة المعروفة ، وكتابه حول المهدويّة .
بل إنّ السيد الصدر نفسه يصرّح بذلك حين يقول في ( الأسس المنطقيّة للاستقراء : 20 ) ما نصّه : ( . . ونحن في هذا الكتاب ، إذ نحاول إعادة بناء نظريّة المعرفة على أساسٍ معيّن ، ودراسة نقاطها الأساسيّة في ضوء يختلف عمّا تقدّم في كتاب ( فلسفتنا ) ، سوف نتّخذ من دراسة الدليل الاستقرائي ، ومعالجة تلك الثغرة فيه أساساً لمحاولتنا هذه ) .
ويقول في بحوثه الأصوليّة عند تعرّضه لقضيّة المعرفة بالواقع الموضوعي ، وهي مفصل رئيس في النظرية المعرفيّة : ( . . الإحساس بالواقع الموضوعي خارج عالم النفس ، كإحساسك بالسرير الذي تنام عليه وصديقك الذي تجلس عنده وحرمك الذي تسكن إليها ، وهذا هو الذي لا يتعلّق إحساسنا به مباشرةً ، فكيف يمكن إثبات واقعيّته من مجرّد انطباع حاصل في النفس أو الذهن ؟ وكيف نثبت مطابقة ذلك الانطباق للخارج ؟ وهذه المسألة من ألغاز الفلسفة . والاتجاه المتعارف عند فلاسفتنا في حلّها أنّ المحسوسات قضايا أوّلية وإن كانت المسألة غير معنونة بهذا الشكل ، وإنّما عنونت كذلك عند فلاسفة الغرب ، وقد ظهر لدى بعض المحدثين عندنا أنّ معرفتنا بالحسّيات لا يمكن أن تكون أوّلية ؛ لوقوع الخطأ فيها ، مع أنّه لا خطأ في الأوّليات ، ولكنه عاد وزعم أنّ معرفتنا الحسيّة بالواقع الخارجي إجمالًا أوّلية ، وإن كانت معرفتنا بالتفاصيل ليست
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 92
مساهمون: حيدر حب الله
ص٩٢