رابعاً : إنّ ما قلتموه كما يصبّ في نظرية نسبية المعرفة ، كذلك يمكن أن تفكّروا به من زاوية نظرية التعدّدية الدينية المعرفيّة ، فأنتم انطلقتم من فرضيّة مسبقة وهي أنّ اليقين الذي يجب أن يكون في الدين هو اليقين الذي لا يمكن بحالٍ من الأحوال أن يزعزعه شك ، فمجرّد أنّني شككت نتيجة لقائي مع شخص من دين آخر فهذا يعني أنّ الدين غير صحيح ، مع أنّ هذه الفكرة بنفسها غير صحيحة ؛ ففي كلّ العلوم الطبيعية والإنسانيّة هناك مساحات واسعة من العلم تقبل التغيّر والتبدّل أو قد يعرضها شكّ أو احتمال بسيط على خلافها ، دون أن يضرّ ذلك بصحّتها وسلامتها ، فالمهم أنّني الآن ونتيجة الأدلّة التي قامت عندي مقتنعٌ بهذا الدين ، وأمّا أن أقول بأنّني ولأنّه كلّما جلست مع شخص فسوف يقلقني ويشكّكني ، فهذا معناه أنّ الأدلّة باطلة ، لو قلنا ذلك لكان معنى هذا أنّ جميع معارفنا باطلة تقريباً .
القضيّة لا تحسب بهذه الطريقة ، بل يحتمل الأمر احتمالات أخرى ، وهي أنّه لقلّة معرفتك بالتفاصيل الخلافيّة الدينية تعيش هذه الحال ، أمّا لو كنت مطّلعاً من الأوّل على خلافات الأديان واخترت الأدلّة بعد وعي بالأديان الأخرى لكان يقينك أكثر اطمئناناً وهدوءاً . إنّ بناء يقيننا بدينٍ ما على معرفتنا بهذا الدين دون معرفةٍ منّا بأيّ دين آخر من الممكن أن تغرقنا في الارتباك لو تعرّفنا بعد مدّة على دين آخر ، أو توقعنا في حالة العمى عن رؤية الآخرين رؤيةً موضوعيّة ، ولهذا كنّا نقول مراراً بأنّه يفترض أن تُبنى العقائد - حيث يمكن - على وعي مقارن بالديانات ، بحيث عندما نواجه ديانةً أخرى لا نعيش الارتباك هذا .
من هنا ، فإنّ نصيحتي هي أن لا تحكم على المعرفة كلّها من خلال تجربتك الصغيرة هذه - مع تقديري لها - لأنّ هذه التجربة هي تجربة عشتها في بداية
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 87
مساهمون: حيدر حب الله
ص٨٧