الراجح أنّ الأمور صدرت لظرف تقيّة ، مثل أن تكون القضيّة مما يمسّ السلطان مسّاً شديداً في ظرفٍ حسّاس ، بحيث يُخشى فعلًا على الناس منه ، وبدل أن نقدّم أهل البيت رجالًا خائفين دوماً من كل ردّة فعل يقوم بها الآخر تجاههم ، علينا أن نقدّمهم رجالًا يقولون الحقّ ولا يخافون في الله لومة لائم كما هو خُلُق الأنبياء وسُنّة الأولياء في القرآن الكريم ، ما لم يصل الأمر إلى حدّ الموت وإزهاق الأرواح والمفاسد العظيمة ونحو ذلك ، فهذا له وضعه الخاصّ جدّاً الذي لابدّ أن تُدرس فيه الظروف بشكل دقيق ، لا أنّه كلّما واجهنا تعارضاً بين الروايات أو مشكلةً هنا أو هناك ، ألقينا عليه فكرة التقيّة بلا دليل حتى بالغ بعضنا فيها .
هل تنفّر سائر المسلمين من الحقّ يستدعي من الأئمّة أن يقولوا غير الحقّ مع أنّ بإمكانهم الاكتفاء بالسكوت عن قول الحقّ لا النطق بالباطل وما هو غير حقٍّ واقعاً ؟ ! والغريب أنّ بعضهم حمل بعض الروايات على التقية مع أنّ فيها حكماً مرفقاً باستدلال الإمام لهذا الحكم من القرآن الكريم ، فكيف يمكن للإمام أن يتّقي إلى هذا الحدّ الذي يساعد فيه الرأي الآخر على الحصول على دليل ، يُفترض أن يكون في الواقع باطلًا ؟ ! هل هذا هو منهج القرآن الكريم الذي لا ينفكّ أهل البيت عنه ؟ هل حقّاً إلى هذه الدرجة يتمّ تمييع الحقائق الدينية بحيث يتيه الشيعة أنفسهم ( المعاصرون ومن بعدهم ) في معرفة مراد الأئمّة ؟ فهل حقّاً يفعل الأئمّة ذلك ؟ ! وهل يفترض أنّ نصدّق روايتين أو ثلاث روايات تقول بأنّ الأئمّة كانوا يُلقون الخلاف بين الشيعة ، ويقولون لكلّ مجموعة حكماً مختلفاً عن المجموعة الثانية ، لكي يظهروا للناس أنّهم مختلفين ؟ ! ألم يكن بإمكان الأئمة - بدل تضليل الشيعة بهذه الطريقة حتى تاهوا في معرفة الحقّ - أن يُعلموهم بالحقّ ويطلبوا منهم أن يتميّزوا عن بعضهم في الأداء أمام الآخرين حمايةً لهم ؟ أيّهما الأضمن
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 76
مساهمون: حيدر حب الله
ص٧٦