تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
قولًا وفي كتاب آخر صار يقول قولًا مخالفاً ، وهذا موجود في جميع العلوم الإسلاميّة عند جميع المذاهب ، بل قد تجده لعالمٍ من العلماء في كتابٍ واحد ، وقد اشتهر من بين علماء الإماميّة في هذا المجال كلّ من الشيخ الطوسي والعلامة الحلّي ، بل هذه هي سنّة أغلب العلماء في الديانات كافّة ، فها نحن نرى الملا صدرا الشيرازي يرى قولًا ، ثم يعدل عنه في كتابٍ آخر ، فقد كان يرى أصالة الماهية ثم صار يرى أصالة الوجود ، بل قد ألّف الشهيد الثاني رسالةً مطبوعة اليوم ضمن رسائله أثبت فيها أنّ الشيخ الطوسي ادّعى في عشرات المواضع الإجماع على مسألة ، لكنّه في كتب أخرى قال بعكس هذا الإجماع الذي ادّعاه ، رغم إيمان الطوسي بحجيّة الإجماع في كتبه الأصوليّة . فمجرّد أنّ عالماً قال في كتابٍ له قولًا ، ثم رأينا له في كتاب آخر قولًا آخر لا يعني وجود تحريف ولا تقيّة ولا مراوغة ولا غير ذلك ، بل يعني عند الباحثين أنّه عدل عن رأيه . ألم يعدل السيد الخوئي في أواخر عمره عن نظرية كتاب كامل الزيارة ، وأثّر ذلك في تغيير رأيه في عشرات المسائل الفقهيّة ، ومنها إجزاء غسل زيارة الإمام الحسين عليه السلام عن الوضوء ؟ ألم يكن السيد الخوئي يرى في بعض حياته حجيّة الاستصحاب في الشبهات الحكميّة فيما عدل عنه في بعض آخر من عمره ، وبالعكس ؟ هذا من الأمور العادية جدّاً في كتب العلماء ومصنّفاتهم ، بل لا تكاد تحصى كثرةً لو تتبّعها الإنسان ، وبإمكانك أن تسأل أيّ متابع للعلوم الإسلاميّة ليؤكّد لك هذه الظاهرة الواسعة جدّاً . والشيخ المفيد وغيره ليسوا بمعصومين حتى نحمل كلامهم على التقيّة ، باعتبار أنّ المعصوم لا يخطأ ولا يعدل عن رأي ، بل هم بشر كسائر الناس يقعون في الخطأ ويبلغون الصواب ، وتتغيّر آراؤهم وتتبدّل ، فهذا هو المنطق الطبيعي للأشياء وغيره يحتاج