تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
سابعاً : إنّ قوله تعالى :
( أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ )
لا يعني بالضرورة - لو بقينا نحن والنص القرآني - وجود عالين فوق مقام السجود لآدم ؛ لأننا في اللغة العربية نقول في مقام التنديد : هل تريد أن تخضع لامتحان الثانوية أم أنك من المستثنين من ذلك ؟ ! وهذا لا يعني وجود مستثنين آخرين ، بل هو تعريض بهذا الطرف أنّه لا مبرر له فيما يقول ، لأنّه إما مستثنى أو متكبر ، وحيث إنه ليس مستثنى كان متكبراً ، وهذا بنفسه لا يدلّ على وجود من استثني في المرحلة السابقة . ومثل هذا كثير في لغة العرب ، بل نحن نستخدمه في كلامنا كثيراً أيضاً ، فالآية تريد أن تقول لإبليس : هل أنت استكبرت أم أنّك حقّاً ذو شأن أعظم من آدم وأنّك ممّن يتفوّقون على آدم في الخلق والمكانة ؟ لماذا لا تريد السجود هل تكبراً على الله أم لأنّك بالفعل لا يليق بك أن تسجد لآدم لأنّك فوقه وهو دونك ؟ ! هذا هو المعنى الظاهر من الآيات ، ولا أقلّ من أنّ ذاك المعنى يصعب استظهاره قرآنيّاً . هذا إذا فسّرنا الآية على هذه الطريقة ، وهناك قول بأنّ الآية لا تريد بيان وجود عالين هو منهم أوليس منهم ، وإنما مقصودها أن تقول : استكبرت أم أنك من المتجبّرين ، فتكون مزيدَ بيان للمقطع الأول ، وهذا ما ذهب إليه الشيخ الطوسي في التبيان حيث قال : ( استكبرت ، يا إبليس ، أي طلبت التكبّر بامتناعك من السجود له ، أم كنت من العالين ، الذين يعلون على الخلق تجبّراً وتكبّراً ) ( التبيان ج 8 ، ص 581 ) ، ف - ( العالين ) - بحسب فهم الشيخ الطوسي - صفة ذم وليست مدح ، انسجاماً مع مثل قوله تعالى :
( وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ )
( الدخان : 30 - 31 ) ، فوصف فرعون بأنّه عالٍ وصف ذمّ ، وهو الذي استخدمه القرآن في موضع آخر