وقال لي مستصعباً : كيف يمكن أن نختلف بهدوء ؟ كيف يتمكّن الفرد من أن يبقى هادئاً في وسط مناخٍ موتور وملئ بالمفخّخات ؟ هل هذا منطقي ؟ فأجبته بأنّ الأخلاق لا تدعو الإنسان إلى أن يكون بارداً حدّ ضمور فعاليته وموت عنفوانه ، بما يشبه - مع العذر من التعبير - حالة ( الإخصاء ) ، فمن الطبيعي أن ينفعل الإنسان ويتفاعل بعاطفيّة مع بعض الأمور ، لكنّ الأخلاق تعلّمنا أنّ ما نسمّيه الدم الحار عند العربي أو عند غيره هي مفاهيم غير مقدّسة وغير متعالية عن التغيير ، وعلى الإنسان أن يضبط أعصابه إلى أبعد الحدود حيث يكون ضبط الأعصاب أمراً منطقيّاً ومبرّراً وممكناً ، فنحن لا ندعو إلى أن تعيش حركة الوعي حالة إخصاء جماعي تجاه خصومها ، فتبقى باردة وصامتة وغير ثائرة ضدّ ما يمارس عليها من ظلم ، بل بالعكس ( وأتفهّم حالات الانفعال التي تكون في مجالس خاصّة ، لا توتّر الفضاء العلمي والثقافي ، أو حالات الانفعال العابرة القليلة ، فكلّ شخص قد يعيش ضغطه النفسي ، ولا يمكن تجاهل هذا الضغط النفسي أبداً ) ، كلّ ما في الأمر هو أن نفصل الملفّات عن بعضها ، وأن نعرف أنّنا إذا كنّا ندافع عما نراه الحقّ فهذا لا يبرّر لنا ارتكاب الأخطاء والانحرافات الأخلاقيّة والشرعية ، فليس لأنّك تدافع عن الوعي فمن حقّك تحطيم الآخرين ، أو تسفيه منجزاتهم ، ولا لأنّك تدافع عن أهل البيت فمن حقّك فعل أيّ شيء .
هذا ما يجب علينا جميعاً أن نسعى له دوماً في مشاريعنا التربويّة ، لا سيما للجيل الناشئ ؛ لنخلق فضاءً جديداً للاختلاف يكون أكثر صحيّةً وسلامةً من الفضاء الذين نعيش . نسأل الله الرحمة والغفران والعون والتوفيق والرشاد للجميع ، من نختلف معهم ومن نتفق وإيّاهم ، إنّه وليّ قريب .
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 541
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٤١