وجوههم ، فرأيت أنّه بمجرّد أن نقلت القصّة المرويّة عن طواف سفينة نوح حول الكعبة وصلاتها صلاة الطواف وبعض التفاصيل الأخرى ، ظهرت معالم السخرية والاستهزاء والضحك على الوجوه ، لقد شعروا جميعاً بأنّ هذه القصّة مختَلَقَة ، ولم ألاحظ أنّ أحداً تردّد في كونها كذلك ، وقد تعمّدت أن أفعل ذلك أولًا ، لأقول لهم بعد ذلك بأنّ هذه القصّة وردت بطرق الشيعة أيضاً ، بل في طرق الشيعة وردت زيادة غريبة وهي أنّ سفينة نوح صعدت إلى منى ، ثم رجعت فطافت طواف النساء أيضاً !
في هذه اللحظة بالذات حصل بعض الصمت ، فقد فوجئ الجميع بذلك ، وقال لي أحد الطلاب الذين كانوا يضحكون قبل ثوانٍ : ألا يحتمل تفسير الحديث بكذا وكذا بما يرفع التهمة عنه ؟ ! لقد تبدّل الوضع تماماً ، فقبل لحظات كان العقل متحرّراً ويفكّر بدون ضغط ، بل لعلّه كان مندفعاً بسبب كون الحديث من مصادر أهل السنّة ، فأطلق العقل العنان لنفسه بجرعة زائدة هذه المرّة ، لكن وبمجرّد أن أدرك أنّ الرواية - وبشكل أكثر غرابة - موجودة عند الشيعة أيضاً وفي كتاب الكافي للشيخ الكليني رحمه الله ، قام العقل بإعادة تموضع سريع ، ليعيد إنتاج المعرفة بطريقة أخرى . لماذا ؟ لأنّنا نقرأ نصوص التاريخ والحديث بطريقة أيديولوجيّة ، لا بطريقة علميّة موحّدة ومنهجيّة تتعامل بأكاديميّة وحِرفيّة ونزاهة عالية مع النقل التاريخي أينما كان .
وبالمناسبة فالرواية عند الشيعة ضعيفة السند من أكثر من جهة ، ولا أريد أن أتبنّى نقدها المتني الآن أو أنفيه ، كما لا أقصد رفضها هنا أو تأييدها ، وإنّما هو مجرّد مثال يقع مثله كثيراً عند مختلف التيارات والمذاهب والفئات .
هذه هي المشكلة التي تستدعي التأويل والتكلّف والتبرير ، والحلّ هو تحرير
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 523
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٢٣