مزاجٌ المؤسف فيه عند بعضنا أنّه ينشأ بطريقة غير ممنهجة من البداية ، ويراد بعد ذلك اختراع منهج لتبريره ، بحيث نشعر بسلامة المنهج كلّما نجح في تثبيت الفكرة التي نؤمن بها مسبقاً ، أرجو الانتباه جيداً .
إنّ أخطر شيء في هذا المجال هو أن يتمّ اختراع المناهج العلميّة لتبرير معتقدات أو عواطف ولدت بطريقة غير منهجيّة في البداية ، وهذا الأمر ينطبق عادةً على ما نحن فيه ، حيث يقودنا الحماس أو العاطفة أو المزاج العام لتبنّي حدث تاريخي أو رواية منسوبة ، فنتفاعل معها عاطفيّاً ؛ لأنها تنسجم مع مزاجنا الفكري العام ، ولا نشعر بالحاجة إلى إثبات صدقيّتها تاريخيّاً عندما يكون من نُلقي عليهم هذه الرواية أو القصّة التاريخيّة منسجمين أيضاً مع سياقها من الأصل ، وعندما يطالبُنا الآخرون المختلفون معنا في المزاج الفكري العام بالدليل نقوم باختراع منهج متناسب معها كي نتمكّن من تبرير اختيارنا لها من قَبْل .
فالمناهج هنا تغدو وليدة النتائج ، والنتائج بنفسها وليدة المزاج العام والطمأنينة القلبية المتولّدة بدورها من العناصر التربويّة والعرفيّة والاجتماعيّة والمحلّية ، مع أنّ المفترض أن تكون النتائج هي وليدة المناهج . وعندما تختلّ المعايير العامّة نصاب بكلّ هذا الإرباك الذي نعيشه اليوم في غير موقع . وهذا ما يؤدّي بمرور الوقت إلى تكريس منهج لم يولد إلا لتبرير وضع معيّن ، لا لكونه مبرهناً في حدّ نفسه ، ومن ثم يقوم هذا المنهج في الفترة اللاحقة بإيلاد نتائج جديدة ، وبمرور الوقت يظهر وعي ديني وتاريخي آخر غير الذي كان .
كان من المفترض من البداية تخفيف الحمولات عن كواهلنا ، والحفر الجادّ في كلّ نصوص التاريخ والحديث للتأكّد من قيمتها هنا أو هناك ، قبل أن تتكوّن لدينا القناعات التي تأتي من نصوص التاريخ والحديث ، وشيئاً فشيئاً سنصل إلى
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 521
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٢١