معطيات مؤكّدة من وجهة نظرنا ونَذَر غيرها ، وأهم شيء في هذا المشوار هو ترك الخوف ، فكثيراً ما يقال : لا يمكن أن أقبل بهذا المنهج في التثبّت التاريخي والحديثي ؛ لأنه منهج لو صحّ لأطاح بعشرات الأشياء التي أؤمن بها ، وهذا قلبٌ للعقل ؛ فالمفترض أن يُثبت المنهجُ الصحيح ما تؤمن به ، لا أن يُثبت ما تؤمن به منهجاً صحيحاً ! وهكذا يقول لك بعضهم : لو أخذنا بهذا المنهج لخسرنا عدداً كبيراً من الروايات الحديثية والتاريخيّة ! وأقول : ومن قال لك بأنّك لو أخذت بها ربحت ؟ ومن أين عرفت أنّها ثابتة إذا كنت الآن ما تزال تبحث في منهج إثباتها وإبطالها ؟ ! حقّاً إنّها ظواهر غريبة ليس عندي تفسيرٌ لها غالباً سوى أنّنا في كثير من الأحيان نُدار بالعقل الأيديولوجي ( الرومو نتكنترولي ) ونتحرّك بطريقة قد لا نشعر بها أساساً .
والغريب أيضاً أنّنا بأنفسنا نمتدح إبداع باحث في التاريخ أو الحديث قام بكشف زيف فكرة مسلّمة منذ مئات السنين أو أطاح بمصدر تاريخي مهم جدّاً تكرّس عند الجميع منذ مئات السنين ، وإنّما نمتدحه لأنّ الفكرة أو المصدر المشار إليهما ينفعان خصومنا الدينيّين أو المذهبيّين أو الفئويّين ، فيصبح تكسير المسلّم التاريخي إبداعاً عندما يصبّ في صالح الجدل المذهبي أو الديني أو الفئوي ، فيما هو جناية أو مؤامرة أو ضعفاً علميّاً عندما يكون الأمر على حساب معتقدي أو مذهبي أو جماعتي !
قبل سنوات كنت ألقي سلسلة محاضرات حول الوضع في الحديث لمجموعة من طلاب العلوم الدينية ، فنقلت لهم حديثاً حول قصّة سفينة نوح من بعض كتب أهل السنّة ، وبيّنت عناصر الوضع التي قيلت في هذا النقل التاريخي ، وعندما كنت ألقي الحديث على مسامع الإخوة الطلاب كنت أتأمّل في تعابير
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 522
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٢٢