تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
أن يكون قد ركض عشرين يوماً . وعدم ممانعة النصّ شيء فيما دلالته على العشرين شيء آخر . وكذلك لو قلت بأنّ زيداً محتاج لأبيه ، فهذا لا يعني الفقر الوجودي بين الطرفين ، بل يعني أنّ هناك دائرةً ما تحقّق صدق عنوان حاجة الولد لوالده فيها ، بحيث صحّح ذلك نسبة حاجة زيد لوالده . ج - لو أخذنا هذه الآية الكريمة وتأملنا أطرافها ، لوجدنا أنّ الآية ليست في مقام بيان حدود الفقر ، وإنّما هي في مقام بيان أصل الفقر ، لماذا ؟ لأنّ الآية لو رصدنا أطرافها إنّما هي بصدد المقارنة بين الخالق والمخلوق ، فالمخلوق فقير للخالق فيما الخالق ليس فقيراً له
( وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ )
، فإذا ثبت أنّ المخلوقات بحاجة لله لكي توجد ، فهذا يحقّق هذه المقابلة التي هي المنظورة للآية ، فالآية تقول : أنتم محتاجون لله ، والله غير محتاج لكم ، وهنا حتى لو لم أعتقد بالفقر الوجودي ، ألا نقرّ جميعاً بأنّنا محتاجون لله في أكلنا وشربنا وعيشنا وأصل وجودنا ؟ وهل إذا أنكرت نظرية الفقر الوجودي أكون قائلًا بعدم صدق عنوان حاجة المخلوق للخالق بحيث يمنعني ذلك عن قول : أنا محتاج إلى الله والله غير محتاج لي ؟ ! ألا يعتقد المشاؤون وغيرهم بحاجتنا لله ؟ وأليست نظريّاتهم تثبت حاجةً من طرف المخلوق للخالق وغنىً من طرف الخالق للمخلوق ؟ ! هل الوحيد الذي يعتقد بحاجتنا هو الصدرائي ؟ بالتأكيد لا . . نعم ، الصدرائي أعطى الحاجة أعلى مدياتها ، وهذا أيضاً ينسجم مع الآية ، لكن حيث كانت الآية بصدد تقرير أصل الحاجة مقابل اللاحاجة في الله فهي لا تعطي إطلاقاً في الدلالة . . فهذا مثل قولك : أنا بحاجة لك وأنت لست بحاجة لي ، فهل نفهم من اللغة والعرف إطلاق الحاجة ؟ كلا ، بل نفهم أنّ الأوّل محتاج بحاجةٍ ما للثاني - دون تعيين الحاجة - فيما الثاني مستغنٍ عنه ، وبهذا يتقدّم الثاني على الأوّل .