تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩
مع هذه الآية الكريمة . هذا الكلام ممتاز لولا خطأ بسيط في تقديري في عمليّة فهم النص ، وهذا الخطأ الذي سأشير إليه أتفق فيه مع جمهور المفسّرين والأصوليين واللغويين وعلماء الحديث في منهجهم في قراءة النصّ الديني اللغوي ، ومركز الخطأ هو فهم الإطلاق من الآية ، فهل الآية تفيد إطلاق الفقر أم تفيد مبدأ الفقر ؟ إنّ الجواب عن هذا السؤال هو الذي يفتح على حلّ القضيّة . والجواب هو أنّ الآية - بحسب بنائها الدلالي - لا تفيد أكثر من أنّ المخلوقات بحاجةٍ لله سبحانه ، أمّا ما هي مديات الحاجة ونوعيّة الحاجة وسرّ الحاجة فهذا ما لا تتعرّض له الآية الكريمة . لماذا ؟ لعدّة عناصر سوف أبسّطها لتتضح الصورة : أ - عندما نريد أن ندّعي وجود إطلاق في نصّ ، فنحن بحاجة إلى معطيات تسمح بافتراض الإطلاق ، وأهم المعطيات هو أن يكون المتكلّم بصدد بيان جميع حيثيات الموضوع في جميع حالاته ، أمّا لو كان المتكلّم يتكلّم عن الموضوع من حيث المبدأ لا من حيث التفاصيل ( أو لا يوجد دليل يُثبت أنّه يتكلّم من حيث التفاصيل ) فهنا لا أستطيع أن أتمسّك بالإطلاق ، وهذا ما اتفق عليه الأصوليون المسلمون في تفسير النصوص الدينية أيضاَ . ب - في الجمل الخبرية الوصفية عندما أصف فإنّ صدق الجملة يكفي فيه أدنى مرتبة من صدق الوصف ما لم يكن المتكلّم في مقام البيان من حيث مساحة الوصف ، فلو قلتُ : ركض زيد ، فإنّه لا يمكن فهم الإطلاق من هذه الجملة بحيث أثبت أنّه ركض عشرين سنة متواصلة ، بل غاية ما أثبت هو أنّه ركض ، وأنّه تحقّق منه الركض بحيث يصحّ وصفه بأنّه ركض ، والركض لمدّة خمسة أيام يصحّ معه أن نقول زيدٌ ركض ، إذن فالنص أقصى ما يفيد هو هذا ، لكنّه لا يمنع