تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
لا أدّعي أنّ اللغة مفتاح لحلّ جميع المشاكل ، ولكن أقول هي مفتاح ضروري وممتاز لا يمكن تخطّيه بسهولة ، ومن الضروري لمن يريد تفسير القرآن بغير اللغة والسياقات الدلاليّة أن يقدّم رؤيةً مبرهنة وليس فقط عرضاً جميلًا للصورة ، كما يفعل الكثير من العرفاء رضوان الله عليهم ، بحيث يحدّثك عن أن كلّ حرف من الحروف هو أمّةٌ من الخلق أمثالنا كما يقول ابن عربي ، فهذا كلام يرسل في الفضاء الطلق ونحتاج لمعايير علميّة مبرهنة عليه ، وابن عرفي وكلّ عرفاء العالم - ككلّ المفكّرين والمفسّرين والباحثين - بشرٌ مثلنا يستدلّ لهم ولا يستدلّ بهم . ثانياً : قلتُ في جوابي السابق بأنّ الآية الكريمة متساوية النسبة إلى النظريات المطروحة في هذا الموضوع ، فلا تقوم هذه الآية بتصحيح واحدة من هذه النظريات ، لماذا ؟ لأنّ الآية تثبت حاجة الخلق إلى الخالق ، ومن المعلوم أنّ جميع النظريات التي طرحت هنا تُثبت أنّ المخلوقات بحاجة إلى خالقها ، فهل القائلون بنظريّة الإمكان هنا يقولون بأنّ المخلوقات مستغنية عن الله ؟ ! وهل المتكلّمون القائلون بنظريّة الحدوث الزماني يرون استغناء المخلوقات عن الله ؟ ! أبداً ، فالجميع متفق على أنّ المخلوقات بحاجة إلى الله ، والآية تقرّر هذه الحاجة ، فتتساوى الآية مع النظريّات المختلفة . حسناً ، قد تقول لي - كما فهمتُ من سؤالكم - بأنّ الآية تُثبت الفقر المطلق ، ولا توجد نظريّة فلسفية تثبت الفقر المطلق عدا نظريّة الفقر الوجودي ، فلو أخذنا نظريّة حاجة المعلول إلى العلّة حدوثاً وعدم حاجته لها بقاء كما ذهب إليه بعض المتكلّمين وبعض الفلاسفة الغربييّن المحدثين ، فإنّها تعني أنّ المعلول لم يعد في مرحلة البقاء بحاجة للعلّة ، فلم يعد فقيراً إليها ، مع أنّ الآية تثبت فقره لها ، وبهذا نتأكّد من أنّ نظرية الفقر الوجودي هي النظرية الوحيدة التي تنسجم