فليس كلّ من حارب تطويع الفلسفة للنصوص الدينية فهو رافض للفلسفة ، هذا مفهوم غير صحيح أبداً ، فقد تكون مناصراً حتى النفس الأخير للفلسفة هنا أو هناك ، لكنّك شديد التحفّظ على تأويل النصوص الدينية تأويلًا غير صحيح لصالح هذه النظرية الفلسفيّة الرائعة التي ثبتت لك .
وعندما أنتقد شخصياً ما أعتبره وَهْمَ المصالحة الصدرائيّة بين الفلسفة والنص ، فإنّني لا أرفض الفلسفة ، بل أرفض التطويع ، وأريد أن أحترم النص في طريقته التعبيرية ، لا أن أفرض عليه طريقةً تعبيرية لتنسجم معطياتُه مع الفلسفة الحقّة . إنّني أؤمن بالتفكيكيّة بهذا المعنى لها ، فالمصالحة بين العقل والنصّ تعني احترام قواعد العمل العقلي الصحيح ، وأيضاً احترام قواعد العمل النصّي والتفسيري الصحيح ، وإلا فهذه ليست مصالحة على طاولة مستديرة ، بل هي مصارعة ليغلب فريقٌ فريقاً آخر أو هي - على أخفّ تقدير - لقاءٌ على طاولة مستطيلة جداً .
الموضوع مهم للغاية فأرجو أن نتأمّل فيه بهدوء ، وقناعتي أنّ المدرسة الصدرائية وأمثالها حقّقت قدراً جيداً من تقدّم العلاقة بين النص والعقل ، لكنّها في مجالات أخرى لم تُعِر للنص حرمةً على مستوى قواعده الخاصّة التفسيريّة التي تحكمه . هذا هو مفصل الكلام . فكما ينتقد الكثير من أنصار الفلسفة الصدرائية اليوم تطويعَ النصوص الدينية من قبل بعض التيارات الحداثية والليبرالية والعلمانية و . . لصالح ما تراه هذه التيارات حقّاً ، وهو انتقاد في محلّه ، كذلك من حقّ الآخرين ممارسة الانتقاد نفسه هنا ، فكما أنت ترى النظرية الفلسفية الفلانية حقّاً باليقين كذلك الآخر المعاصر يرى أفكاره حقّاً ويقيناً ، فلماذا كان تطويعه جريمة أما تطويعي فهو أمر آخر ؟
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 47
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٧