الواردة فيها . بل أغلب المصطلحات العلميّة التي في الفقه والأصول والتاريخ والحديث والرجال والفلسفة والكلام والعرفان والمنطق واللغة لا وجود لها في أيّ نصّ ، لا في القرآن ولا في السنّة ، ومع ذلك ابتكرها العلماء ومشوا عليها قروناً وقروناً ، وطوّروا بها - بحمد الله - العلوم الإسلاميّة وما يزالون .
إنّ الموضوع ليس أن تستحضر النصّ ، بل أن تستحضر المفاهيم والأطر والمسارات والأخلاقيّات والقيم التي قدّمتها لنا مجموعة النصوص في رسالتها ، فاستحضارها كافٍ في استحضار النصّ ، وليس من الضروري أن تستحضر صياغة النصوص ، فعندما تتكلّم عن ضرورة الأخلاق في الحوار مثلًا ، فأنت تستحضر قيمةً أخلاقية موجودة في النصّ ، كما هي موجودة في العقل وفي التجربة الإنسانيّة .
بل ما المشكلة لو أنّ بعض ما تطرحه من فكر أو رأي أو وجهة نظر لم يستند إلى النصّ ؟ وهل هذا عيب ؟ وما هو الدليل على أنّ كلّ صغيرة وكبيرة في تفكيرنا ومعالجة قضايانا يجب أن تستند مباشرةً إلى نصّ يتصل بالقضيّة الجزئيّة فوراً ؟ إنّ الفقيه في ما يسمّى بمنطقة الفراغ عند بعضهم ، يتحرّك بلا نصوص مباشرة ، بل بأطر ومؤشرات عامّة فرضتها النصوص ، وكم هي النصوص التي يعتمد عليها قادة الحركات الإسلاميّة اليوم في مواقفهم السياسيّة ؟ أليس العقل هو صاحب الرؤية والقرار ضمن المؤشرات والأطر العامّة التي وضعتها النصوص ؟ هل هناك نصوص على وجود برلمان ومجلس وزراء ومدراء عامّين في الوزارات ومؤسّسة الجمارك وغير ذلك من أجهزة الدولة ؟ وأين ؟ وهل حقّاً يمكن في كلّ موضوع أن نستحضر نصّاً ؟ مثلًا أريد معالجة ظاهرة الكذب عند ابني الصغير فأين النصوص ؟ وأريد حلّ مشكلة الحياء المفرط عند ابنتي الكبيرة ، فأين
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 493
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٩٣