تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 487

مساهمون:

ص٤٨٧
إلا لمن عصمه الله من الزلل والخطأ . إنّني أدعو نفسي والآخرين دوماً إلى أن نسعى لتجاوز طريقة التفكير الحاكمة في ثقافتنا العربيّة ، وهي الطريقة السماعيّة والخطابيّة التي يغلب عليها الخيال والوهم ، والتهويل والتسطيح ، لنتجّه نحو عقلٍ منطقي علميّ برهاني موضوعي ، فإذا تمكّنا - وهذه وظيفة المرشدين الاجتماعيّين والنفسيّين ، ووظيفة المدارس والجامعات ومناهج التربية والتعليم و . . - من إخراج مجتمعاتنا العربية والإسلاميّة من نطاق ثقافة جماع العقل الخطابي والجدلي والشعري إلى العقل الموضوعي والبرهاني ، فسنخرج ثقافتنا بنسبة كبيرة من اللاعلميّة إلى العلميّة . وأعني بالعقل الخطابي والجدلي والشعري المفهومَ المنطقيّ لهذه الكلمات ، أي العقل الذي يبني مقدّماته وأفكاره وأغراضه وطريقة معالجته للأمور على القضايا المتسالَم عليها أو المشهورة أو المظنونة أو المأنوسة أو المتخيّلة أو الموهومة ، إنّه عقل يرى قيمة الفكرة بكونها مشهورة بين ناسه وآبائه وقومه وأبناء عصره ، ويرى قيمتها في كونها متناسبة مع الخيال والعاطفة ، ويرى قيمتها في كونها متناسبة مع ما هو مأنوس ومقبول في مجتمعه ، أمّا الفكرة الحقّة التي تعارض مسلّمات المجتمع ومأنوساته ومقبولاته ومشهوراته وعاطفته وخياله فهي باطلة ، أو غريبة ، أو متحذَّرٌ منها ، أو على الأقل لا ينبغي تداولها ؛ لأنّها تسبّب المشاكل والقلاقل . كما أعني بالعقل البرهاني والموضوعي ذاك العقل الذي يقوم على المقدّمات اليقينية باليقين الموضوعي ( كمثل مدرسة الاستقرائيّين والتجربيّين ) أو اليقين البرهاني ( كمثل مدرسة العقليّين ) ، دون أن يهمّه المحيط أو الخيال أو العاطفة أو المأنوسات ، ولا يخاف من الجروح النرجسيّة ، ولا من العواطف الجيّاشة ؛ لأنّه