إعجابهم بعض الأمور التي هي حقّ ، وقد يكون ما أثار إعجابهم أمورٌ ليست بحقّ .
فهذه الطريقة ليست أسلوباً علميّاً في تقويم أفكار الناس والحكم عليها ؛ لأنّ العلماني ليس باطلًا محضاً في كلّ ما يقول ويرى صغيراً كان أو كبيراً . فهو إنسان يملك عقلًا ويصيب فيه ويخطأ . والكلام نفسه نقوله للعلمانيّين والإصلاحيّين الذين قد يختلفون مع شخص لأنّ التيارات الدينية قريبة منه أو معجبة به ، فهذا ليس بدليل ، لا وفق موازين العلم ولا المنطق .
بل لو أردنا تطبيق هذه الطريقة لربما ما ناسبت المستشكل نفسه هنا ، فلطالما أعجب اليسار الماركسي والاشتراكي في العالم العربي بالمقاومين الإسلاميّين ، وكانوا أقرب إليهم من بعض التيارات الدينية حتى في الداخل المذهبي ، ولطالما كان اليسار غير الديني أقرب إلى الإمام الخميني - إلى ما هو بُعَيْدَ انتصار الثورة - من المؤسّسة الدينيّة نفسها ، حتى اتّهم السيّد الخميني بالشيوعيّة وبقبض الأموال من سفارات الاتحاد السوفياتي .
بل هناك سؤال جوهريّ أرجو التأمّل فيه : من هو الأقرب إلى العلمانيّة في عصرنا : التيار الإسلامي السياسي ( الخميني ، مطهري ، فضل الله ، الصدر . . ) أم الحوزات المدرسيّة ؟ إنّ الحوزات التقليديّة أقرب إلى العلمانيّة منها إلى الإسلاميّين والنهضويّين وبعض دعاة التجديد الديني ، وذلك أنّ الكثير من تقليديّي الحوزات - وهي اجتهاداتهم ووجهات نظرهم التي نحترمهم عليها - لا يرون جواز ممارسة السلطة السياسيّة في عصر الغيبة ، وكثيرٌ منهم يمنع عن إجراء العقوبات الجزائيّة والجنائيّة في عصر الغيبة أيضاً ، وكثير منهم يحرّم العمل السياسي الهادف لقيامة دولة دينية ، وكثير منهم لا يتفاعلون مع الأحزاب الدينية
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 484
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٨٤