تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 486

مساهمون:

ص٤٨٦
يعني ذلك أنّ اقتراب التيارات النقديّة - ومنها بعض العلمانيّين - من العرفان والتصوّف ، دليلٌ على بطلان هذين ، وأنّ العرفاء والمتصوّفة على باطل ؟ ! الأمثلة بالعشرات في هذا السياق ، والمجال لا يسع لذكرها ، وهذا كلّه يؤكّد أنّ هذه الأمور برمّتها ليست معايير في التصويب والتخطئة ، ولا في الحكم على الناس والتيارات والأفكار ، وإنّما المهم أن نتداول الأفكار نفسها ، ونقوم بدراستها لمعرفة صوابها من خطئها وفق منهجٍ علميّ ثابت ومقرّر . وليس إذا قال شخصٌ كلمةَ حقٍّ انتفع بها تيارُ باطلٍ صار الحقّ باطلًا ، فالحقّ ممّن أراده حقّ ، والحقّ ممّن أراد به باطلًا هو حقٌّ أيضاً ، لكنّ إرادته باطلة ، فالتحكيم في عصر الإمام عليّ رفع شعاراً حقّاً ، ولا يصبح الحقّ الكامن في هذا الشعار باطلًا لأنّه تمّ توظيفه في سبيل أمرٍ باطل ، وهو مواجهة علي بن أبي طالب عليه السلام . لهذا ، كنت وما أزال ، أركّز دائماً على مسألة المنهج ، وعلى أن نمتلك عقلًا علميّاً يفكّك الأشياء عن بعضها ، ولا يخلط الأوراق ، وأرى بنظري القاصر أنّ الكثير الكثير من مشاكلنا الفكريّة والثقافيّة والاجتماعيّة اليوم سببُها اللامنهجيّة في تفكيرنا ، والبُعد عن الطريقة العلميّة المتوازنة في تعاملنا مع الأشياء ، وانتقالنا من ( أ ) إلى ( ج ) دون المرور ب - ( ب ) ، أعني القفز غير المنطقي من فكرةٍ إلى أخرى ، وعدم تفكيكنا الأمور عن بعضها ، وخلطنا كلّ شيء بكلّ شيء ، خلطاً غالباً ما ينجم عن تدخّل الخيال والوهم والانفعال والعاطفة والتحيّز والتعصّب والخوف والقلق والهواجس في نشاطنا الذهني ، ولو مارسنا المنهج التفكيكي هذا ، لرأينا أنّ بجانب كلّ حقٍ باطلًا ، وبجانب كلّ باطلٍ حقّاً ، فما من مدرسة تحمل الحقّ إلا وهي قريبة في نقطةٍ ما من مدرسةٍ تحمل الباطل ، وبعيدة في نقطةٍ ما عن مدرسة أخرى ، هذا هو منطق العقل والتفكير غير المعصوم ، وما العصمة